لبنان في مرآة الأضحى: وطنان في جسد واحد.. مدن تعيش الفرح، وجنوبٌ يضحي عن الجميع!
كتبت زهراء سويد :
في عيد الأضحى هذا العام، لم يكن لبنان بلدًا واحدًا كما اعتدنا أن نقول دائمًا، بل بدا وكأنه وطنان يعيشان واقعين مختلفين تمامًا.
في جزء من البلاد تُرفع الزينة، تُفتح المحال حتى ساعات الليل، تمتلئ الطرقات بالعائلات، ويشتري الناس ثياب العيد وحلوه، بينما في الجنوب هناك أمهات يرتدين الأسود بدل ثياب العيد، وأطفال يستقبلون العيد من دون آبائهم، وبيوت ما زالت رائحة الركام والحريق تملأ زواياها.
في شمال لبنان وبعض مناطقه، لا تزال الحياة تحاول أن تسير بشكل طبيعي. المقاهي مزدحمة، أصوات الأغاني تعلو، والناس تحاول أن تتمسك بفرحة العيد مهما كانت الظروف صعبة. وهذا حقهم الطبيعي، فكل إنسان يبحث عن لحظة راحة وسط هذا التعب الكبير الذي يعيشه البلد.
لكن في المقابل، هناك جنوب كامل يعيش وجعًا يوميًا لا ينتهي، وكأن هذا الجزء من الوطن تُرك وحده يحمل الحرب والخسارة والخوف.
في الجنوب، العيد ليس تكبيرات فقط، بل أسماء شهداء تُتلى في المجالس، وصور معلّقة على الجدران، وأمهات يفتحن أبواب الغرف الفارغة وينظرن إلى ملابس أبنائهن بحسرة.
هناك رجال عادوا إلى قراهم ليجدوا بيوتهم التي تعبوا سنوات طويلة في بنائها قد أصبحت ركامًا.
هناك مزارعون خسروا أراضيهم ومواسمهم، وعائلات تعيش التهجير منذ أشهر بين بيوت الإيجار والمدارس والغرف الضيقة، تحاول أن تقنع أطفالها أن العيد ما زال عيدًا رغم كل شيء.
كيف لطفل فقد والده أو شقيقه أن يشعر بفرحة العيد؟
وكيف لأمّ دفنت ابنها منذ أيام أن تسمع تكبيرات العيد من دون أن يختنق قلبها؟
في الجنوب، تفاصيل الحياة تغيّرت بالكامل؛ حتى الفرح أصبح يشعر الناس بالذنب أحيانًا، لأن خلف كل ضحكة هناك جنازة، وخلف كل محاولة للحياة هناك خوف من خبر جديد أو غارة جديدة أو اسم شهيد جديد.
لا يكاد يوجد بيت في الجنوب إلا ولامسه الحزن بشكل مباشر؛ إما شهيد، أو جريح، أو منزل مهدّم، أو عائلة مشرّدة، أو شاب خسر مستقبله، أو أم تنتظر ابنها كل ليلة ولا يعود.
ورغم كل هذا، ما زال أهل الجنوب يحاولون الوقوف بثبات.
ما زالوا يتمسكون بأرضهم وبيوتهم وذكرياتهم، لأنهم يعرفون أن الحرب لا تقتل الحجر فقط، بل تحاول أن تقتل روح الناس وانتماءهم، وهم يرفضون ذلك بكل قوة وصبر.
هذا العيد كشف حجم الوجع الذي يعيشه قسم كبير من اللبنانيين، وكشف أيضًا حجم الظلم الذي يشعر به أهل الجنوب، حين يرون أن مأساتهم أصبحت خبرًا عابرًا في نشرات الأخبار، بينما هم يعيشونها بكل تفاصيلها القاسية يوميًا.
ومع ذلك، يبقى الأمل موجودًا، لأن الشعوب التي تعبت كثيرًا تعرف كيف تتمسك بالحياة أكثر من غيرها.
رحمة الله على جميع الشهداء الأبرياء، والصبر والقوة لعائلاتهم، ونسأل الله أن يحمل العيد القادم معه سلامًا حقيقيًا لهذا البلد المتعب، وأن يعود أهل الجنوب إلى بيوتهم وأرضهم بكرامة وأمان، وأن يكون عيد الأضحى المقبل عيد فرح حقيقي لكل اللبنانيين، لا عيد انقسام بين الفرح والحزن، وبين الحياة والوجع.
