بقلم أ.د. وشاح فرج
يظهر تصريح دونالد ترامب الأخير حجم المأزق السياسي والإعلامي الذي يعيشه، أكثر مما يظهر ثقة المنتصر. فعندما يقول إنه “لو استسلم الجيش الإيراني لكتبت وسائل الإعلام الأمريكية الفاسدة أن إيران حققت نصرا” بارعا” وساحقا””، فإنه لا يهاجم إيران بقدر ما يكشف عن أزمة ثقة داخلية يعيشها مع الإعلام والرأي العام الأمريكي.
هذا النوع من التصريحات يعكس حالة ارتباك واضحة، فالقائد الواثق من روايته السياسية والعسكرية لا يحتاج إلى مهاجمة الإعلام بهذا الشكل الانفعالي، ولا إلى استباق التغطية الإعلامية باتهامات جاهزة. بل إن كلام ترامب يوحي بأنه يخشى من تراجع القدرة على تسويق “الانتصار” داخل الولايات المتحدة، خصوصا” في ظل الانقسام الأمريكي الحاد حول سياساته الخارجية والحروب المفتوحة.
ومن اللافت أن ترامب يحاول دائما” تحويل أي نقاش سياسي أو عسكري إلى معركة مع الإعلام، لأنه يدرك أن الصورة والرواية أصبحتا جزء”ا أساسيا” من الصراع. لذلك نراه يتحدث عن “إعلام فاسد” و”تضليل”، في محاولة لحشد جمهوره الداخلي وإقناعه بأن أي انتقاد له ليس موقفا” موضوعيا” بل مؤامرة سياسية وإعلامية ضده.
كما أن التصريح يحمل تناقضا” واضحا”، فمن جهة يصر ترامب على الحديث عن “النصر الكامل”، ومن جهة أخرى يبدو منشغلا” بتبرير هذا النصر والدفاع عنه قبل أن يحسم في وعي الرأي العام. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن الإدارة الأمريكية تدرك صعوبة فرض رواية أحادية لما يجري، خاصة مع استمرار التوترات والشكوك حول نتائج المواجهة مع إيران.
إن أخطر ما في كلام ترامب أنه يكشف انتقال المعركة من الميدان إلى الداخل الأمريكي نفسه: بين السلطة والإعلام، وبين الرواية الرسمية والشك الشعبي. فحين يصبح الرئيس منشغلا” بإقناع شعبه بأنه منتصر، أكثر من انشغاله بإدارة الأزمة ذاتها، فهذا دليل على حجم القلق السياسي الذي يرافق المشهد.
وفي النهاية، قد يكون هذا التصريح محاولة لرفع المعنويات أو استنهاض القاعدة الشعبية، لكنه في الوقت نفسه يكشف أن الإدارة الأمريكية ليست في موقع الهادئ الواثق، بل في موقع من يشعر بأن الرواية تتفلت من يده، وأن صورة “الهيمنة المطلقة”لم تعد سهلة التسويق كما كانت في السابق.
