من صور إلى قلعة الشقيف: الحرب على الذاكرة أخطر من الحرب على الحجر
كتبت حوراء غندور
في الحروب، يُحصى عدد القتلى والجرحى والنازحين، وتُوثّق المنازل المدمرة والطرق المقطوعة والبنى التحتية المنهارة. لكن هناك خسارة أخرى لا تظهر في نشرات الأخبار ولا تدخل في الإحصاءات اليومية، وهي خسارة الذاكرة.
ما يجري في جنوب لبنان لم يعد مجرد استهداف للبشر أو للمباني. لقد تجاوز ذلك إلى محاولة منظمة لضرب العلاقة بين الإنسان ومكانه، وبين الذاكرة وأرضها. فحين تمتد الاعتداءات إلى مدينة صور، المدينة التي تحمل في حجارتها ذاكرة آلاف السنين، وإلى قلعة الشقيف التي وقفت شاهدة على تعاقب الحضارات والإمبراطوريات، فإن القضية لم تعد قضية أهداف عسكرية أو أضرار جانبية، بل قضية استهداف للهوية نفسها.
إن الإجرام الذي لم يتورع عن انتهاك حرمة المقابر والمدافن، والذي لم يحترم حرمة الموتى، يصرّ اليوم على التعدي حتى على الحضارات الإنسانية التي يزيد عمرها على آلاف السنين. وكأن المطلوب ليس فقط قتل الإنسان أو تهجيره، بل محو كل ما يربطه بأرضه وتاريخه وجذوره.
فالإنسان لا يعيش في المكان فقط، بل يعيش من خلاله. والقرى ليست مجرد بيوت، بل ذاكرة طفولة وأسماء شهداء وحكايات أجداد وأشجار زيتون وطرقات محفورة في الوجدان. والمقابر ليست مجرد مدافن، بل سجلّاً حياً لمن مروا من هنا وتركوا جزءاً من أرواحهم في هذه الأرض. والآثار ليست حجارة صامتة، بل صفحات مفتوحة من تاريخ الإنسانية.
لهذا فإن أخطر ما يحدث اليوم ليس تدمير الحجر، بل محاولة تدمير الذاكرة المكانية. يريدون أن يعود الجنوبي إلى أرضه فلا يجد ما يعرفه. أن يبحث عن معالم طفولته فلا يراها. أن يقف أمام التاريخ الذي شكّل هويته فلا يجد سوى الركام. يريدون اقتلاع الإنسان من مكانه ومن قصته ومن ذاكرته في آن واحد.
لكن السؤال الذي يطارد أبناء الجنوب اليوم ليس فقط: لماذا تُستهدف القرى والمدن والآثار والمقابر؟ بل سؤال أكثر إيلاماً: هل يدرك اللبنانيون حقاً ما الذي يحدث في الجنوب؟
هل يدركون أن المسألة لم تعد مجرد غارة هنا أو منزل هناك؟ هل يفهمون أن ما يجري هو محاولة لتفكيك العلاقة بين الإنسان ومكانه، وبين الذاكرة وأرضها؟ هل يرون أن استهداف صور وقلعة الشقيف والمقابر والقرى الحدودية ليس مجرد تدمير لحجارة صامتة، بل استهداف لذاكرة جماعية تشكلت عبر آلاف السنين؟
وهل يسمع حكام هذا البلد صرخة الجنوب؟ أم أنهم اعتادوا النظر إليه كجبهة بعيدة لا كجزء من وطن واحد؟ أين أصواتهم أمام محو القرى؟ أين مواقفهم أمام تهديد التراث الإنساني؟ أين غضبهم أمام شعب يُهجَّر مرة بعد مرة من أرضه؟
وهنا يبرز السؤال الأكثر قسوة: هل أصبح الصمت شكلاً من أشكال المشاركة؟ وهل يمكن لمن يرى ما يحدث ويختار الصمت أن يتنصل من مسؤوليته الأخلاقية؟ وهل يدرك أصحاب القرار أن التاريخ لا يسجل فقط أفعال الفاعلين، بل يسجل أيضاً صمت المتفرجين؟
لقد تحولت صور من مدينة تروي حكاية الحضارة إلى مدينة تخشى على ذاكرتها. وتحولت قلعة الشقيف من شاهد على التاريخ إلى شاهد على زمن يحاول محو التاريخ نفسه. وما بين صور والشقيف عشرات القرى التي لا تخسر بيوتها فقط، بل تخسر مع كل حجر يسقط جزءاً من روايتها الجماعية.
إن الجنوب لا يطلب شفقة أحد، بل يطلب اعترافاً بالحقيقة. والحقيقة أن ما يُستهدف اليوم ليس الأرض فقط، بل الذاكرة. وليس الحاضر فقط، بل الماضي والمستقبل معاً.
وحين يُترك شعب بأكمله وحيداً في مواجهة محو تاريخه وهويته، فإن السؤال لن يكون ماذا خسر الجنوب، بل ماذا خسر لبنان كله حين سمح بأن يُستهدف جزء من روحه وتاريخه وذاكرته الجماعية.
فالأوطان لا تُهزم فقط عندما تخسر أرضاً، بل عندما تفقد ذاكرتها. وما يجري اليوم في الجنوب ليس مجرد حرب على البشر أو الحجر، بل حرب على الذاكرة نفسها. وحين تصبح الذاكرة هدفاً، تصبح الإنسانية كلها في دائرة الاستهداف.
