كتبت غنى شريف
لا يمكن النظر إلى القرى الجنوبية في لبنان بوصفها تجمعات سكنية فحسب، فهي تمثل لأبنائها أكثر من حدود جغرافية أو أبنية حجرية. وقد عاشت هذه القرى على مدى عقود طويلة تجارب متكررة من الحروب والاعتداءات والتهجير والدمار، حتى أصبح الصمود جزءًا من هويتها الجماعية. لذلك فإن ما تتعرض له اليوم ليس الفصل الأول من معاناتها، بل محطة جديدة في مسار تاريخي طويل واجه فيه أهل الجنوب محاولات متكررة لكسر إرادتهم أو اقتلاعهم من أرضهم.
تنبع خصوصية القرية الجنوبية من العلاقة العضوية التي تربط الإنسان بأرضه وبيته وحقوله. فالمكان ليس إطارًا محايدًا للحياة اليومية، بل هو الحاضن الأول للتجارب الإنسانية التي تشكل وعي الأفراد وانتماءهم. وتحت أسقف البيوت القديمة نشأت أجيال متعاقبة شهدت الحروب كما شهدت مراحل النهوض وإعادة البناء، ما جعل الارتباط بالمكان أكثر عمقًا وتجذرًا.
وتكتسب الذاكرة دورًا أساسيًا في ترسيخ هذا الانتماء. فالقرية ليست مجرد حاضر يُعاش، بل هي أيضًا تاريخ من التجارب المتراكمة التي تتناقلها الأجيال. وفي ذاكرة أبناء الجنوب قصص النزوح والعودة، والدمار والإعمار، والخسارة والصمود، وهي تجارب لم تبدأ اليوم ولم تنتهِ بالأمس، بل أصبحت جزءًا من السردية الجماعية لهذه القرى.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم دلالة الصمود التي ارتبطت بهذه القرى. فالصمود لا يقتصر على إعادة بناء ما تهدم أو البقاء في الأرض رغم المخاطر، بل يتمثل أيضًا في الاستمرار بالحياة بعد كل حرب. ولعل ما يميز القرى الجنوبية أنها اعتادت أن تنهض من تحت الركام، وأن تحوّل الألم إلى إرادة للبقاء، مثبتةً في كل مرة أن التدمير مهما اشتد لا يستطيع محو الذاكرة أو اقتلاع الهوية.
إن صمود القرى الجنوبية لا يمكن اختزاله في بعده المادي أو العسكري فقط، بل هو قبل كل شيء صمود ثقافي وإنساني متوارث. إنه صمود قرى خبرت الحروب مرارًا، وعرفت التهجير والدمار، لكنها بقيت متمسكة بأرضها وناسها وذاكرتها، لتؤكد أن الجنوب، رغم كل ما مرّ به، ما زال قادرًا على النهوض والاستمرار وصناعة الحياة من جديد.
