بين التحرر الإعلامي وحدود القانون: هل تغيّر المشهد الإعلامي اللبناني؟
كتب صابرين محمودي:
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
في السنوات الأخيرة، برزت ظاهرة جديدة في المشهد الإعلامي اللبناني تمثّلت في ازدياد مساحات التواصل الإعلامي مع شخصيات إسرائيلية أو لبنانيين مقيمين داخل الاراضي المحتلة، سواء عبر مقابلات مباشرة أو مداخلات إعلامية أو نقاشات تُبث على منصات وقنوات لبنانية.
هذا الواقع يطرح أسئلة عديدة، خصوصاً أن ما كان يُعتبر في السابق من المحرّمات السياسية والإعلامية بات يُطرح اليوم تحت عناوين حرية التعبير، والانفتاح الإعلامي، وحق الجمهور في الاطلاع على مختلف الآراء.
وتأتي هذه التحولات في وقت لا تزال فيه الاعتداءات الإسرائيلية مستمرة على الأراضي اللبنانية، ولا سيما في الجنوب، حيث تتواصل عمليات القصف والاستهداف والإخلاءات، وسط شعور لدى شريحة واسعة من اللبنانيين بأن معاناة المدنيين لا تحظى بالاهتمام الكافي مقارنة بالمساحات الممنوحة لنقاشات تتصل بالتطبيع أو التواصل مع شخصيات تعيش داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة.
وقد أثارت مقابلات إعلامية مع شخصيات لبنانية مبعدة إلى إسرائيل، من بينها مريم يونس وجوناثان الخوري، نقاشاً واسعاً حول الحدود الفاصلة بين العمل الإعلامي وفتح المنصات أمام شخصيات تحمل الجنسية الإسرائيلية أو تتحدث من داخل إسرائيل. فبالنسبة للبعض، يدخل ذلك في إطار العمل الصحافي القائم على نقل الآراء المختلفة، فيما يرى آخرون أن الأمر يتجاوز حدود التغطية الإعلامية ليصل إلى منح مساحة لتسويق رواية سياسية مرتبطة بإسرائيل داخل المجتمع اللبناني.
ويكتسب هذا الجدل أهمية إضافية في ظل وجود قوانين ومواقف رسمية لبنانية تنظّم العلاقة الإعلامية مع إسرائيل. فقد نصّت التشريعات اللبنانية المرتبطة بالإعلام المرئي والمسموع على قيود تتعلق بأي تعامل إعلامي مع العدو الإسرائيلي، كما سبق لوزارة الإعلام أن دعت الإعلاميين والمؤثرين والفنانين إلى الامتناع عن أي شكل من أشكال التواصل المباشر أو غير المباشر مع المتحدثين باسم جيش العدو أو وسائل الإعلام التابعة له.
ومن هنا يبرز السؤال الأساسي: هل ما نشهده اليوم هو تحرر إعلامي ناتج عن تطور أدوات الإعلام ومنصات التواصل، أم أنه يعكس تحولاً سياسياً غير معلن يواكب المسارات التفاوضية والأمنية التي تشهدها المنطقة؟
كما يطرح هذا الواقع تساؤلات حول كيفية تطبيق القوانين القائمة، وما إذا كانت الجهات الرسمية تعتبر أن هذه المقابلات والحوارات تقع ضمن إطار العمل الصحافي المشروع، أم أنها تشكل تجاوزاً للضوابط القانونية المعمول بها.
وزاد النقاش حدةً ما شهدته بعض البرامج التلفزيونية أخيراً من جدل حول طرح أسئلة أو مواقف مرتبطة بمضمون صادر عن جهات العدو الاسرائيلي، حيث انقسم الرأي العام بين من اعتبر ذلك جزءاً من العمل الإعلامي الطبيعي القائم على طرح الأسئلة ومناقشة الوقائع، وبين من رأى فيه تجاوزاً لحدود التعامل الإعلامي المقبول مع العدو.
في المحصلة، لا يقتصر النقاش اليوم على أسماء أو مقابلات محددة، بل يتجاوزها إلى سؤال أعمق يتعلق بهوية الإعلام اللبناني وحدود دوره. فبين حرية التعبير من جهة، والالتزام بالقوانين الوطنية والاعتبارات المرتبطة بالصراع مع إسرائيل من جهة أخرى، يبقى الجدل مفتوحاً حول طبيعة المرحلة الجديدة التي يعيشها الإعلام اللبناني، وحول ما إذا كانت هذه التحولات تعكس مجرد تغير مهني وإعلامي، أم أنها مؤشر إلى تبدلات سياسية أوسع لا تزال مستمرة.
