تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين فتحت أبوابها لاستقبال المعزّين برحيل كوزو أوكاموتو في بيروت.
تمرّ الأخبار عادةً مثل الطيور المذعورة؛ تلامس النافذة ثم تمضي. لكن بعض الأخبار لا يمرّ، بل يعود. يعود وهو يحمل خمسين عامًا من الغبار، وأسماءً كادت تذوب في الذاكرة، وصورًا كانت تنتظر من يوقظها من نومها الطويل.
كيف يموت رجل ياباني، فتُقام له مراسم العزاء في فلسطين ولبنان ؟ السؤال أكبر من الرجل.
وأكبر من الخبر. وأكبر حتى من الموت.
إنه السؤال الذي عجزت السياسة عن الإجابة عنه، بينما أجابت عنه الذاكرة منذ زمن بعيد.
جورج حبش. وديع حداد. نايف حواتمة. كمال ناصر. حنّا ميخائيل.
وكوزو أوكاموتو. هذه الأسماء لا تشبه قائمة أعضاء في تنظيم سياسي.
إنها تشبه خريطةً أخرى لفلسطين؛ خريطة لا ترسمها الجغرافيا، بل ترسمها الأفكار. ففيها الطبيب المسيحي الذي خرج من اللد يحمل مدينته في قلبه أكثر مما حملها في حقيبته. وفيها الطبيب الذي أدرك أن العالم لا يرى المأساة إذا بقيت حبيسة حدودها، فراح يبحث عن وسيلة تجعلها تُرى. وفيها الشاعر الذي كان يعتقد أن القصيدة تستطيع أن تحرس وطنًا كما تحرسه البندقية. وفيها المفكر الذي فهم أن الاحتلال لا يصادر الأرض وحدها، بل يصادر الرواية أيضًا.
ثم…شاب جاء من اليابان. لا تربطه بفلسطين لغة. ولا دم. ولا نسب.
ولا قبر جد. ولا شجرة زيتون تركها وراءه.
كان يستطيع أن يعيش حياة هادئة، كما يعيش ملايين اليابانيين، بين قطارات تصل في مواعيدها، ومدن تعرف كيف تبني المستقبل. لكنه، مثل كثير من أبناء جيله في تلك المرحلة المضطربة من العالم، رأى في فلسطين أكثر من نزاع على قطعة أرض. رآها مرآةً لسؤال أكبر عن الاحتلال والعدالة وحدود المسؤولية الإنسانية.
وحين وصل إلى الشرق، لم يصل سائحًا. وصل وضُبِطت في حقيبته فلسطين.
في الثلاثين من أيار عام 1972، دوّى اسم مطار اللد في كل نشرات العالم.
دخل كوزو أوكاموتو مع اثنين من رفاقه، في إطار عملية نفذها الجيش الأحمر الياباني بالتنسيق مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. انتهت العملية باستشهاد رفيقين من رفاقه فيما أُلقي القبض عليه بعد إصابته.
منذ ذلك اليوم، لم يعد اسمه يخص اليابان وحدها. صار جزءًا من واحدة من أكثر محطات الصراع حضورًا في ذاكرة العالم.
كيف استطاعت فلسطين، وهي المحاصرة في جغرافيتها، أن تفتح نافذة في قلب شاب ياباني، حتى غادر أقصى الشرق، وجعل اسمه يسير إلى الأبد بمحاذاة اسم اللد؟
ذلك هو السؤال الذي يستحق أن نبدأ منه.
الغريب أن فلسطين لم تكن يومًا بارعة في استيراد المقاتلين.
كانت بارعة في استيراد الضمير.
كل من اقترب منها، اقترب لأنه رأى في حكايتها شيئًا من حكايته. لذلك لم يكن القادمون إليها نسخة واحدة، ولا أبناء لغة واحدة، ولا أبناء عقيدة واحدة.
ولهذا أيضًا، لا يمكن قراءة اسم كوزو أوكاموتو بعيدًا عن أسماء سبقت حضوره بسنوات. جورج حبش، ابن اللد. خرج من مدينته عام النكبة، ولم يخرج منها أبدًا. بقيت اللد تسكنه كما تسكن الرائحة ثوبًا قديمًا. كان طبيبًا يعرف أن الجسد يشفى أحيانًا، أما الأوطان فلا تجد دواءها في الصيدليات. لذلك حمل قضية فلسطين إلى السياسة، لكنه لم يخلع عنها ثوبها الإنساني.
ثم جاء وديع حداد. كان طبيبًا أيضًا. يعرف أن النزيف إذا تُرك طويلًا، مات الجسد كله. وفي زمنٍ كان العالم ينظر إلى فلسطين باعتبارها خبرًا محليًا في الشرق الأوسط، كان يرى أن القضية لن تجد مكانًا في ضمير العالم ما لم تخرج من حدودها الضيقة. اختلف الناس معه، واتفقوا معه، لكن أحدًا لم يستطع أن ينكر أنه كان يبحث، بطريقته، عن نافذة يدخل منها صوت الفلسطيني إلى العالم.
وكان كمال ناصر يكتب. كلما ضاقت اللغة، وسّعها. وكلما ضاقت البلاد، جعل القصيدة أكبر من الحدود. لم يكن يرى في الشعر زينةً للمآسي، بل شاهدًا عليها. كان يعرف أن الاحتلال لا يخاف البندقية وحدها، بل يخاف الذاكرة أيضًا. لأن الذاكرة تقول للمهجَّر إن البيت ما زال موجودًا، حتى لو صار ركامًا.
أما حنّا ميخائيل، فقد فهم باكرًا أن المعركة ليست على الأرض وحدها.
هناك معركة أخرى. على العقل.
على الرواية. على قدرة الفلسطيني أن يبقى حاضرًا في العالم، لا بوصفه رقمًا في نشرة أخبار، بل إنسانًا له اسم، وصوت، وطفولة، وأم تنتظره.
حين ننظر إلى هذه الأسماء مجتمعة، ندرك أن المسيحيين الفلسطينيين لم يكونوا هامشًا في المقاومة، ولا زينةً لتعددها.
كانوا في قلبها. لم يسألهم أحد عن كنائسهم حين تهدمت بيوتهم.
ولم يسألوا أحدًا عن مذهبه حين حمل مفتاح بيته القديم.
كانت النكبة قد اختصرت الأسئلة كلها في سؤال واحد: من بقي بلا وطن؟
ولهذا، لم يكن غريبًا أن يقف إلى جانبهم رجل جاء من اليابان.
فالأوطان، حين تبلغ ذروة وجعها، تكف عن مخاطبة الجنسيات وتبدأ بمخاطبة الضمائر.
لهذا لم يكن كوزو أوكاموتو استثناءً بقدر ما كان نتيجةً لفلسطين نفسها. فلسطين التي كانت، في تلك العقود، تُشبه جرحًا مفتوحًا أمام العالم. بعضهم مرّ بقربه ومضى. وبعضهم نظر إليه طويلًا.
وبعضهم شعر بأن عليه أن يفعل شيئًا، أيّ شيء، حتى لو انتهى به الأمر إلى تغيير حياته كلها.
هنا، بالذات، تكمن فرادة هذا الاسم. ليس لأنه ياباني. بل لأن المسافة بين طوكيو واللد كانت، على الخرائط، آلاف الكيلومترات.
أما في ضمير الإنسان… فلم تكن سوى خطوة واحدة. ربما لهذا السبب بدا خبر تقبّل الجبهة الديمقراطية التعازي برحيل كوزو أوكاموتو أكبر من خبر وفاة.
كان الخبر يقول، من حيث لا يقصد، إن الزمن لم ينجح في قطع تلك الخيوط التي نسجتها سنوات بعيدة. نصف قرن مرّ، وما زال اسم الرجل يُستدعى من الذاكرة الفلسطينية، كأن المسافات تُقاس بالوفاء لا بالكيلومترات.
فالإنسان لا ينتمي دائمًا إلى الأرض التي وُلد عليها. أحيانًا ينتمي إلى الجرح الذي اختاره. ولعل هذا ما يجعل فلسطين مختلفة عن كثير من القضايا. فهي لم تستدعِ الناس لأنها وعدتهم بشيء. لم يكن فيها نفط. ولا ثروة. ولا إمبراطورية.
كان فيها بيت مهدّم. ومفتاح صدئ. وأم تنتظر. وطفل يسأل متى يعود.
هذه الأشياء الصغيرة هي التي سافرت حول العالم. لا الخطب.
ولا البيانات. ولا الشعارات.
ولذلك، حين كان الفلسطيني يروي حكايته، لم يكن يحدّث الآخرين عن نفسه فقط. كان يوقظ في داخلهم خساراتهم الخاصة. كل إنسان يعرف، بطريقة ما، معنى أن يُنتزع من مكانه. قد يكون بيتًا. أو أمًّا.
أو طفولة. أو وطنًا. ومن هنا بدأت فلسطين تكبر.
كبرت لأنها خرجت من حدود السياسة، ودخلت منطقة الإنسان.
ولهذا، لم يكن غريبًا أن يتجاور في تاريخ مقاومتها اسم جورج حبش، المسيحي القادم من اللد، مع اسم كوزو أوكاموتو القادم من اليابان.
أحدهما وُلد تحت سماء فلسطين.
والآخر جاءها من آخر الأرض. لكن كليهما التقى عند سؤال واحد:
كيف يستطيع الإنسان أن يعيش، إذا اعتاد أن يرى الظلم ثم يدير وجهه؟
ربما لا يملك أحد جوابًا واحدًا عن هذا السؤال. وربما لهذا اختلفت الطرق. واختلفت الخيارات. واختلفت القراءات التاريخية للأحداث. لكن الأسئلة الكبيرة تبقى أكبر من أجوبتها.
ولهذا أخطأ كثيرون حين ظنوا أن فلسطين تخص الفلسطينيين وحدهم. وأخطأ آخرون حين اختصروها في دين. أو في مذهب.
أو في قومية. فالأرض تعرف أصحابها.
أما القيم، فلا تعترف بالحدود.
كانت الكنائس في فلسطين تقرع أجراسها فوق الوجع نفسه الذي كانت ترتفع منه المآذن.
وكانت الأمهات يبكين باللغة نفسها، حتى لو اختلفت صلواتهن.
وكان المفتاح، ذلك المفتاح العتيق الذي يحمله اللاجئون جيلاً بعد جيل، لا يسأل اليد التي تمسكه عن اسم معموديتها، ولا عن طريقة وضوئها. كان يعرف شيئًا واحدًا فقط. أن هناك بيتًا ينتظر.
ولهذا، حين يرحل رجل من اليابان، وتفتح له فلسطين بيت عزائها، فإن الخبر لا يكون عن الموت. يكون عن الذاكرة. فالذاكرة وحدها تعرف كيف تهزم الزمن. وتجعل الغريب ابنًا، إذا صدق انتماؤه لقضية رآها عادلة. ربما يموت البشر. وربما تتبدل الأجيال. لكن بعض الأسماء تبقى لأنها التصقت بسؤال لن يشيخ: كيف يستطيع إنسان أن يحمل وجع شعب ليس شعبه، وأن يجعل من ذلك الوجع جزءًا من سيرته؟
هناك… يصمت المؤرخ. تغدو فلسطين أكبر من جغرافيتها.
وأوسع من حدودها. وأبقى من أخبارها اليومية. كانت… وما زالت… قضية الإنسان في ضمير الله.
من هو اوكاموتو ؟
فى عام 1972، أراد اللاجئ السياسي الوحيد في لبنان كوزو أوكاموتو أن ينهي حياته مع اثنين من رفاقه في الجيش الأحمر الياباني من خلال الهجوم الانتحاري الدامي على مطار اللد في إسرائيل الذي أودى بحياة 26 شخصاً، لكن بعد 50 عاماً، لا يزال على قيد الحياة، لاجئا سياسيا في لبنان.
وفي ظهور نادر، شارك أوكاموتو في إحياء ذكرى مرور 50 عاماً على عملية مطار اللد في مخيم شاتيلا.
وحسب موقع سويس انفو، هو اللاجىء السياسي الوحيد في بلد لا يطبق سياسة اللجوء. وقد أمضى سنوات طويلة في السجون الإسرائيلية، وخرج منها في إطار عملية تبادل أسرى وسجناء بين الدولة العبرية والفلسطينيين.
وأوكاموتو (74 عاماً) لا زال مطلوباً من بلده الأم اليابان.
وحين صعد على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية من روما في 30 أيار/مايو 1972، كان يحمل جواز سفر مزوراً باسم أطلقه عليه الجيش الأحمر الياباني وهو ديسوكي نامبا، على اسم الرجل الذي حاول اغتيال ولي العهد في حينه والامبراطور اللاحق لليابان هيروهيتو في العام 1923.
لكن أحمد كان اسمه الحركي الذي أطلقته عليه الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الفصيل الفلسطيني اليساري الذي اشتهر في ذلك الوقت بعمليات خطف الطائرات، والذي درّب أوكاموتو وخطط لعملية اللد.
وبسبب عمليات خطف الطائرات، شدّدت شركات الطيران في ذلك الحين رقابتها على الركاب، لكن تفتيش الحقائب كان لا يزال محدوداً.
في مطار اللد الذي بات اليوم مطار بن غوريون قرب تل أبيب، تسلّم أوكاموتو ورفيقاه في الجيش الأحمر الياباني حقائبهم، وسرعان ما أخرجوا منها رشاشات وقنابل وبدأوا بإطلاق النار حولهم.
أدت العملية إلى مقتل 26 شخصاً، بينهم كندي وثمانية إسرائيليين. أما القتلى الـ17 الباقون فكانوا حجاجاً مسيحيين يحملون الجنسية الأمريكية من بورتوريكو. ولا تزال الجزيرة الصغيرة تحيي حتى هذا اليوم ذكراهم في سان خوان.
بمجرد انتهاء الهجوم، كان مقررا أن يفجّر المنفذون الثلاثة أنفسهم. قتل اثنان منهم، لكن أوكاموتو أصيب بجروح واعتقل على الفور.
خلال محاكمته، بدا أوكاموتو وكأنه يطمح لأن يصدر قرار إعدام بحقه، وهو حكم لم يصدر في إسرائيل سوى مرة واحدة، وحُكم على أوكاموتو بالسجن مدى الحياة.
قضى غالبية سنوات سجنه في الحبس الانفرادي، وأطلق سراحه من خلال صفقة تبادل ضخمة بين الفلسطينيين وإسرائيل في مايو العام 1985. وبدا يومها شاحبا ووهنا.
وتقول مي شيغينوبو، ابنة مؤسسة الجيش الأحمر الياباني فوساكو شيغينوبو التي أطلق سراحها السبت بعد 20 عاماً في سجن ياباني، “لن يشكل (أوكاموتو) تهديداً على إسرائيل او اليابان”، “لكن اليابان لا تزال تطالب كل عام باستعادته، لذلك هناك تركيز عليه برغم حالته الصحية والنفسية”.
