الأخطبوط الإيراني: من قوة إقليمية إلى لاعب يفرض حضوره في النظام الدولي – غنى شريف
شكّلت الحرب الأخيرة في المنطقة محطة مفصلية في إعادة رسم موازين القوى، ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل في النظام الدولي بأسره. فعلى مدى عقود طويلة عاشت الولايات المتحدة مرحلة “القطب الأوحد” الذي يملك القدرة على فرض إرادته السياسية والعسكرية على مختلف مناطق العالم، إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت أن هذه الهيمنة لم تعد مطلقة كما كانت في السابق.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
في خضم المواجهة الأخيرة، برزت إيران بوصفها دولة تمتلك قدرة عالية على الصمود والمناورة وإدارة الصراع. ورغم الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية الهائلة التي تعرضت لها، فإنها استطاعت أن تحافظ على تماسكها وأن تفرض نفسها طرفاً لا يمكن تجاهله في أي معادلة تخص مستقبل المنطقة.
وإذا كان البعض ينظر إلى القوة من زاوية الجيوش والأسلحة فقط، فإن التجربة الإيرانية قدمت نموذجاً مختلفاً يقوم على تعدد أدوات التأثير وتنوعها. وهنا يمكن تشبيه إيران بالأخطبوط؛ ليس بسبب القوة العسكرية وحدها، بل بسبب شبكة الأذرع والعلاقات والامتدادات التي بنتها عبر سنوات طويلة في محيطها الإقليمي والدولي.
لقد حملت الحرب الأخيرة رسالة واضحة إلى دول الخليج مفادها أن إيران تمتلك قدرات عسكرية تمكنها، إذا أرادت، من توسيع دائرة المواجهة لتشمل عواصم ومنشآت حيوية في المنطقة. لكنها في الوقت نفسه سعت إلى إظهار أن صراعها الأساسي يتمحور حول المواجهة مع الولايات المتحدة ومصالحها العسكرية، وأنها لا تبحث عن حرب شاملة مع دول الخليج ولا عن تدمير استقرارها.
ومن هنا يمكن فهم التحولات التي شهدتها العلاقات بين إيران وعدد من الدول الخليجية خلال السنوات الأخيرة. فبدلاً من منطق الصدام المباشر، برز اتجاه متزايد نحو الحوار والتفاهم وإدارة الخلافات. وقد أدركت العديد من العواصم أن الجغرافيا لا يمكن تغييرها، وأن إيران ستبقى دولة محورية في الخليج، سواء اتفق معها الآخرون أم اختلفوا.
إن صورة “الأخطبوط الإيراني” لا ينبغي أن تُفهم بوصفها رمزاً للسيطرة أو الهيمنة، بل بوصفها تعبيراً عن شبكة واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية. فالأذرع التي تمتد نحو الخليج يمكن أن تكون أذرع تعاون وشراكة وتبادل مصالح، وليست بالضرورة أدوات تحكم أو فرض إرادة.
لقد كشفت الحرب الأخيرة أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها فكرة الاحتكار المطلق للقوة، وتظهر فيها مراكز تأثير متعددة قادرة على فرض حضورها في المعادلات الدولية. وفي هذا المشهد تبدو إيران، سواء اتفق المرء معها أم اختلف، لاعباً أساسياً نجح في تثبيت موقعه وإثبات أن الشرق الأوسط لم يعد ساحة تُدار بالكامل من خارج حدوده.
إن المستقبل لن يُبنى على منطق الغلبة المطلقة، بل على
توازنات جديدة تفرض على الجميع الاعتراف بالحقائق الجيوسياسية القائمة. وفي قلب هذه التوازنات تقف إيران باعتبارها قوة إقليمية كبرى تمتلك شبكة واسعة من العلاقات والنفوذ، أشبه بأخطبوط تمتد أذرعه في اتجاهات متعددة، لكن قوة هذه الأذرع لن تُقاس بقدرتها على السيطرة، بل بقدرتها على بناء الشراكات وصناعة التفاهمات وحماية المصالح المشتركة.
