لم يكن الجنوب اللبناني يوماً مجرد نطاق جغرافي على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، بل تحول عبر العقود إلى محور استراتيجي في الصراع العربي-الإسرائيلي. واليوم، يتجدد النقاش السياسي حول التكلفة الباهظة التي تتحملها هذه المنطقة، ليطرح السؤال الجوهري: هل يدفع الجنوب اللبناني الثمن نيابة عن الآخرين؟ القراءة الموضوعية للمشهد السياسي تؤكد أن الجنوب يدفع بالفعل ضريبة الفراغ الذي خلفه تراجع المشروع القومي العربي والتخلي التدريجي عن قضية فلسطين المركزية.
من الناحية السياسية والاستراتيجية، أدى تراجع الموقف الرسمي العربي المشترك إلى اختلال عميق في ميزان القوى الإقليمي. هذا التراجع سمح للمشروع الإسرائيلي بالتمدد سياسياً وأمنياً ليصبح خطراً داهماً على أبواب دمشق، ومؤثراً مباشراً على أمن الأردن، ومتربصاً بالعمق الاستراتيجي لمصر في القاهرة. وفي الوقت الذي تسللت فيه “اتفاقيات أبراهام” وموجات التطبيع السياسية لتسري في شرايين بعض العواصم كبديل عن العمل العربي المشترك، بقي الجنوب اللبناني متمسكاً بـ “عقيدة المواجهة”، رافضاً الانخراط في مشاريع الهيمنة الإقليمية.
إن دفع الجنوب لهذا الثمن يمثل انعكاساً لمعادلة سياسية معقدة؛ فالمنطقة تتحمل الكلفة المباشرة لغياب عمق قومي عربي فاعل ومساند. وأمام هذا التحلل من الالتزامات التاريخية تجاه القضية الفلسطينية، وجد الجنوب نفسه ملزماً بملء هذا الفراغ الاستراتيجي لمنع تمدد الاحتلال. تاريخياً، لم تكن هذه التضحية وليدة اليوم؛ بل صاغها الجنوب بدمائه في محطات مفصلية، بدءاً من كسر هيبة الاحتلال وإجباره على الانسحاب بلا قيد أو شرط عام 2000، مروراً بإفشال أهدافه الاستراتيجية في حرب تموز 2006، وصولاً إلى المواجهات المستمرة حتى اليوم لحماية السيادة وتأكيد ترابط الساحات في مواجهة غطرسة الاحتلال.
لم تعد المواجهة في الجنوب مجرد دفاع تقليدي، بل تحولت إلى معادلة ردع عسكرية استراتيجية فرضت قواعد اشتباك معقدة، وجعلت الاحتلال يحسب ألف حساب قبل الإقدام على أي مغامرة برية. هذا الردع لم يتحقق عبر الرهانات الدبلوماسية أو الاتفاقيات الدولية التي لم تحمِ أي أرض عربية، بل صُنع بالاعتماد الكامل على القدرات الذاتية وبسواعد أبناء الأرض المخلصين. ليظل الجنوب اللبناني، بصموده وثباته، النموذج الأخير للكرامة القومية في زمن التراجعات السياسية الكبرى.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
