الجنوب بين النزوح والعودة: إلى متى يبقى أهلنا بلا مأوى؟ – زهراء سويد
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
في الجنوب، لم يعد النزوح حدثًا استثنائيًا، بل تحوّل إلى واقع يتكرر مع كل تهديد. في اليوم الذي يصدر فيه إنذار، تتحرك العائلات على عجل، تترك منازلها وأرزاقها وكل ما تملك، وتتجه شمالًا أو إلى مناطق تُعتبر أكثر أمانًا. وفي اليوم التالي، إذا هدأت الأوضاع، تعود إلى بيوتها. نزوحٌ ثم عودة، ثم نزوحٌ جديد… فهل هذه حياة؟
هذه الحركة المتكررة ليست مجرد انتقال من منطقة إلى أخرى، بل اقتلاع مؤقت ومتواصل من الحياة الطبيعية. الأهالي يعيشون في حالة انتظار دائم: هل نبقى؟ هل نغادر؟ هل نستأجر منزلًا؟ وهل نستطيع تحمّل كلفة نزوح جديد؟
أما سكان القرى الحدودية، فقصتهم أشد قسوة. هناك قرى لم يعد البيت فيها بيتًا، والأرض لم تعد مكانًا للعيش والعمل، والمدرسة تحوّلت في كثير من الحالات إلى مأوى. بالنسبة إلى كثير من الأهالي، أصبحت الأرض التي عاشوا فيها وورثوها عن آبائهم وأجدادهم مجرد ذكرى بعيدة، ينتظرون اليوم الذي يستطيعون فيه العودة إليها بأمان. وقد وثّقت تقارير حديثة حجم الدمار والنزوح المتكرر في عدد من القرى الحدودية، فيما لا تزال العودة محفوفة بالمخاطر.
نحن أمام شعب ضائع بين الخوف والنزوح، وأمام أهالي جنوب تُركوا في مواجهة مصيرهم. لا يريدون أكثر من حق بسيط: أن يعيشوا في بيوتهم بأمان، وأن يعملوا في أرضهم، وأن يرسلوا أبناءهم إلى مدارسهم، وأن تكون لهم حياة مستقرة لا تتحكم بها الإنذارات والتهديدات.
والأزمة لا تتوقف عند النزوح. فمع كل موجة تهجير، تبدأ معاناة أخرى: أين نسكن؟
سوق الإيجارات في المناطق التي تُعتبر أكثر أمانًا تحوّل إلى عبء إضافي على العائلات النازحة. ومع ارتفاع الطلب وقلة الشقق، ارتفعت الأسعار بشكل كبير، حتى باتت بعض العائلات عاجزة عن تحمّل بدل الإيجار. وفي صيدا، على سبيل المثال، رُصدت زيادات كبيرة في أسعار الشقق مع استمرار موجات النزوح، فيما اضطرت عائلات إلى البقاء في مراكز الإيواء بسبب عدم قدرتها على دفع الإيجارات.
فإلى متى يبقى النازح الحلقة الأضعف؟
إلى متى يستطيع صاحب الشقة أن يرفع بدل الإيجار كلما سمع الناس بإنذار جديد، مستغلًا خوف عائلة تبحث عن سقف يحمي أطفالها؟ وإلى متى يبقى السمسار قادرًا على فرض شروطه على من لم يعد يملك رفاهية الاختيار؟
لا يجوز التعميم على جميع أصحاب الشقق، فهناك من وقف إلى جانب النازحين وراعى ظروفهم، لكن الاستغلال موجود ويحتاج إلى رقابة ومحاسبة. وقد أشارت تقارير إلى ارتفاعات حادة في الإيجارات وممارسات استغلالية في بعض المناطق التي استقبلت النازحي
المطلوب اليوم ليس كلامًا جديدًا، بل تحركًا فعليًا. المطلوب أن تتحمل الدولة مسؤوليتها، وأن تكون هناك رقابة حقيقية على سوق الإيجارات، وحماية للعائلات التي أُجبرت على النزوح، وخطة واضحة تحفظ حق أهل الجنوب في العودة إلى قراهم ومنازلهم.
فالجنوب ليس مجرد خريطة، وأهله ليسوا أرقامًا في إحصاءات النزوح.
هؤلاء أناس لهم بيوت وأراضٍ وذكريات وحياة. ومن حقهم أن يعيشوا فيها بأمان.
أما أن يبقى الإنسان نازحًا عند كل تهديد، وعائدًا عند كل هدوء، ومستأجرًا تحت رحمة الأسعار والسمسرة، فهذه ليست حياة.
إلى متى سيبقى أهل الجنوب يدفعون ثمن الخوف والنزوح والاستغلال؟ وإلى متى سيبقى السؤال بلا جواب؟
