في ذكرى استشهاد الدكتور مصطفى شمران، لا نستذكر رجلاً صنعته الحرب، بل إنساناً صنعته الرسالة. نستذكر ذلك العالم الذي ترك مختبراته ومكانته العلمية ليجلس إلى جانب الإمام موسى الصدر في قرى الجنوب اللبناني، مؤمناً بأن الإنسان هو القضية الأولى، وأن الدفاع عن المظلومين شرفٌ لا يضاهيه شرف.
لم تكن العلاقة بين الإمام الصدر وشمران علاقة قائدٍ بأحد معاونيه، بل كانت علاقة بمشروعٍ أراد أن يرفع الحرمان عن الجنوب، ويصون كرامة الإنسان، ويؤسس لمقاومةٍ تنبع من الإيمان بالحق قبل أن تحمل السلاح.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
وحين عاد شمران إلى إيران، حمل معه مدرسة الإمام الصدر، وبقي وفياً لعهده حتى ارتقى شهيداً. ولذلك، فإن استذكاره اليوم ليس استذكاراً للماضي، بل قراءةٌ لجذور العلاقة التي جمعت إيران بلبنان، وجعلت من الوقوف إلى جانب الجنوب والمقاومة التزاماً يتجاوز الحسابات السياسية إلى الوفاء لنهجٍ وخيار.
وفي هذه الأيام، وبينما تواجه إيران تحديات كبيرة، وتؤكد استمرارها في مواقفها الداعمة للبنان والمقاومة، يعود اسم مصطفى شمران ليذكّرنا بأن هذه العلاقة لم تُبنَ على المصالح العابرة، بل على دماء الشهداء، وعلى عهدٍ بدأ مع الإمام موسى الصدر، وترسّخ بالتضحيات، وما زال حاضراً في وجدان المؤمنين بهذه المسيرة.
وفي زمنٍ اعتقد فيه كثيرون أن الضغوط الاقتصادية والعقوبات والحروب قادرة على كسر إرادة الشعوب وفرض المشاريع الكبرى،
جاءت التطورات لتؤكد أن الصمود ما زال قادراً على صناعة المعادلات وتغيير موازين القوى. نعم، أثبتت إيران قدرتها على الصمود في مواجهة سنوات طويلة من الحصار والتهديد والاستهداف، محافظةً على حضورها وخياراتها رغم كل التحديات.
وفي قلب هذه المواجهة، برزت المقاومة في لبنان التي قدّمت تضحيات جساماً دفاعاً عن الأرض والسيادة والكرامة. فمنذ عقود، لم تكن المقاومة مجرد حالة عسكرية، بل مشروعاً وطنياً متجذّراً في وجدان الناس، واجه الاحتلال والاعتداءات، وكتب بدماء شهدائه معادلاتٍ منحت لبنان قوةً وثباتاً في مواجهة الأخطار.
غير أن صمود الميدان يحتاج دائماً إلى حكمة السياسة، كما أن الإنجازات تحتاج إلى من يحفظها داخل المؤسسات الوطنية. ومن هنا يبرز الدور التاريخي للرئيس نبيه بري، الذي شكّل على مدى عقود أحد أعمدة المقاومة و الاستقرار الداخلي، وساهم في تثبيت معادلة التكامل بين المقاومة والدولة، وبين الثبات الوطني والانفتاح السياسي، محافظاً على وحدة الصف الوطني في أصعب المراحل.
واليوم، وبينما يعيش أهل الجنوب بين الانتظار والرجاء والحنين، تتجه القلوب إلى مستقبلٍ يحفظ تضحياتهم. فالجنوبيون الذين خبروا ويلات الحروب يدركون أن حماية الأرض تحتاج إلى مقاومة صلبة، كما تحتاج إلى قيادة سياسية حكيمة قادرة على تحويل التضحيات إلى مكاسب وطنية تحفظ الكرامة وتصون الاستقرار.
ويبقى الأمل أن تتحول هذه التضحيات إلى بداية مرحلة جديدة، تُصان فيها الكرامة، ويُبنى فيها وطنٌ قويّ وعادل، يليق بأبنائه، ويمنحهم حقهم في الأمن والاستقرار، وفاءً لكل من سار على درب الإمام موسى الصدر، من مصطفى شمران إلى قوافل الشهداء الذين جعلوا من التضحية طريقاً إلى الحرية والكرامة.
