▪️عباس قبيسي
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
كفرحتى، تلك القرية المستقرّة على كتف تلةٍ من تلال جبل عامل، كأنها تستريح بين الأرض والذاكرة، إنها ليست مجرد بلدة على تخوم الجنوب، بل بوابةٌ من بواباته الرئيسية المشرعة على النهارات، تعبر منها الحكايات كما يعبر الناس الى ارزاقهم، وتُختبر عند تخومها معاني الإنتماء في أصعب اللحظات.
في هذه الحرب، حين ضاقت الأرض بأهلها اتّسعت كفرحتى، لم تنتظر سائلًا ولا طارقًا على بابها، بل فتحت قلبها العامر بالحب قبل بيوتها، استقبلت النازحين لا كغرباء، بل كأهلٍ تأخروا على موعد الوصول، في وجوه أهلها كان التعب واضحًا، لكن الكرم كان أوضح كأنهم يُداوون ما تبقّى من إنسانية النازحين من الإنكسار.
ليلًا نهارًا لا تهدأ البلدة، البلدية ولجنة الأزمة والمخاتير والنادي والكشاف والفعاليات… خليةٌ واحدة، تعمل على مدار أربعٍ وعشرين ساعة تعبٌ صامت، جهد مضاعف يوزّع الطمأنينة كما تُوزّع المساعدات الغذائية والطبية والمستلزمات الاولية وغيرها، ويمنحون للقلق اسمًا آخر هو التضامن والتكافل بأجمل معانيه.
حتى الضوء والنت لم يُترك للصدفة، فأصحاب شبكة الانترنت زودوا قسم كبير من النازحين مجاناً بالاضافة الى اشتراكات المولدات ومن دون تردد، حوّلوا التيار وإلى فعل كرامة وبذل، فأناروا مركز الإيواء وجميع بيوت النازحين على مدار الساعة بشكل مجاني، كان النور هنا أكثر من كهرباء… كان رسالةً بأن العتمة مهما اشتدّ سوادها، لا يمكن ان تنتصر حيث يسكن الناس بعضهم.
كفرحتى، في هذه الأيام لم تكن مكانًا فقط، بل موطنًا دافئًا وموقفًا سلفته للتاريخ، ضيعةٌ معطاءة، ودودة باسطة ذراعيها ترى في ضيفها واحدًا من أهل دارها، لا يحتاج إلى تعريف ولا إلى إذن بالدخول هنا، لا يُقاس الكرم بما يُقدَّم فقط، بل بما يشعِر به الآخر من طمأنينة وأمان.
وهكذا، عند بوابة الجنوب لم تكتفِ هذه البلده بأن تكون ملاذًا عابرًا، بل تحوّلت إلى ذاكرةٍ حيّة تُحفظ في وجدان من مرّوا بها، ذاكرةٌ تقول إن في هذا الوطن ما يزال هناك من يرمّم ما تدمره الحروب لا بالحجارة، بل بالقلوب فهل يدرك هذا الوطن الصغير، المثقل بجراحه منذ ولادته أن خلاصه يشبه هذه القرية حين تتكئ على إنسانها؟ وهل نتعلّم يومًا أن ما يحمي الناس ليس فقط الجيش والقوى الأمنية والمقاومين، بل هذا الدفء الخفي الذي يجعل النازح قريبًا؟
في الختام، لم يكن النزوح نهاية الحكاية، بل بداية معنى آخر للإنتماء معنى يتجاوز الجغرافيا نحو شراكةٍ في الوجع والأمل هناك، حيث يلتقي التعب بالصبر والقلق بالاحتضان، وأن الكرامة قد تسكن في منزل بسيط والوطن قد يُختصر في بلدة حين تعرف كيف تكون بيتًا للجميع وهكذا، كتبت كفرحتى درسًا للتاريخ وفصلًا جديدًا من فصول الكرم والضيافة، بأن هذه القرية الصغيرة بمساحتها العظيمة بأفعالها وسلوكها، تصبح وطنًا كاملًا للإحتواء، ولو لوقتٍ قصير من الحرب.
