عندما يقول الرئيس جوزيف عون إنه “لا يريد من يفاوض عنه”، يحق للبنانيين أن يسألوه: مع من تتفاوض أصلًا؟ وهل أنت في موقع الخصومة مع إسرائيل حتى تتحدث عن التفاوض؟
التفاوض يكون بين أطراف متنازعة، بين خصمين يسعى كل منهما إلى انتزاع حقوقه والدفاع عن مصالحه. أما عندما يصبح الخطاب أقرب إلى مطالب العدو وشروطه ورؤيته، فإن السؤال يصبح مشروعًا: أين هو موقع لبنان في هذه المعادلة؟
منذ وصول الرئيس عون إلى سدة الرئاسة، لم يلمس اللبنانيون أي تقدم فعلي نحو وقف الاعتداءات الإسرائيلية أو تثبيت وقف إطلاق النار بشكل كامل. فالخروقات مستمرة، والاعتداءات مستمرة، فيما تتوالى المواقف الدولية المنددة بما تقوم به إسرائيل. لذلك يحق للبنانيين أن يسألوا: ماذا حقق هذا النهج السياسي سوى المزيد من الانتهاكات للسيادة اللبنانية؟
وإذا صحّت التصريحات المنسوبة إلى مسؤولين ودبلوماسيين أوروبيين بأن مقترحات لوقف إطلاق نار شامل يتضمن لبنان طُرحت خلال مراحل التصعيد، وأن الحكومة اللبنانية أو الرئاسة اللبنانية لم تتجاوبا معها أو رفضتاها، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا: ما هو مبرر هذا الرفض إن كان قد حصل فعلًا؟ وكيف يمكن التوفيق بين الحديث عن حماية لبنان وبين رفض مبادرات كان من شأنها، بحسب أصحابها، وقف القصف والدمار؟ وإذا كانت هذه التصريحات غير صحيحة، فلماذا لا تخرج الرئاسة لتفنيدها ووضع الحقائق أمام اللبنانيين؟ فالقضية هنا لا تتعلق بخلاف سياسي عابر، بل بأرواح اللبنانيين وبمصير وطن دفع أثمانًا باهظة خلال الحرب.
لكن المشكلة الحقيقية ليست هنا فقط.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
فالرئيس الذي يرفض أن “يفاوض أحد عنه” يتجاهل حقيقة أساسية: أن هناك شريحة واسعة من اللبنانيين دفعت أثمان الحرب والعدوان. هناك قرى دمرت، ومنازل سويت بالأرض، وأسواق أحرقت، وعائلات قدمت أبناءها شهداء وجرحى. هؤلاء هم أصحاب القضية المباشرون، وهم الطرف الذي تحمل نتائج الصراع بكل تفاصيله.
فكيف يمكن تجاوز هذه البيئة الوطنية والشعبية عند الحديث عن أي تفاوض أو تسوية؟ وكيف يمكن تجاهل أن جزءًا كبيرًا من اللبنانيين يرى في المقاومة وسيلة للدفاع عن لبنان في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية؟
ثم إن منطق الرئيس يبدو متناقضًا. فإذا كان يرفض أن يكون هناك من يتحدث باسم لبنان في مواجهة إسرائيل، فلماذا لا يرى في المقابل أن إسرائيل نفسها لا تقف وحدها؟ أليست الولايات المتحدة أكبر داعم سياسي وعسكري لها؟ أليست واشنطن تفاوض وتضغط وتتحرك دفاعًا عن المصالح الإسرائيلية في المحافل الدولية؟
وإذا كان من حق إسرائيل أن تستند إلى قوة دولية كبرى تحميها وتدافع عنها، فلماذا يصبح من المرفوض أن تستند فئة من اللبنانيين إلى حلفاء إقليميين يدعمون موقفها السياسي، كما تفعل إيران بالنسبة لمحور المقاومة؟
يا فخامة الرئيس، المثل الشعبي يقول: “شفت القشة بعين غيرك، وما شفت الخشبة بعينك”. ترفض أن يتحدث أحد باسم من يعتبرون أنفسهم في قلب المواجهة مع إسرائيل، لكنك لا ترى حجم التناقض في موقفك. فمن جهة ترفض أن يكون للمقاومة أو لبيئتها السياسية رأي في أي تفاوض يتعلق بمصيرها، ومن جهة أخرى لا نسمع موقفًا حازمًا يوازي حجم الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية المتواصلة للسيادة اللبنانية.
المسألة لم تعد مسألة تفاوض أو من يفاوض. المسألة أصبحت مرتبطة بتحديد موقع لبنان نفسه: هل هو بلد يدافع عن سيادته وحقوقه الوطنية، أم أنه يكتفي بمراقبة الاعتداءات الإسرائيلية من دون أن يمتلك القدرة أو الإرادة السياسية لفرض احترام التفاهمات والاتفاقات الدولية؟
إن الرئاسة التي لا تدافع عن سيادة لبنان كاملة، ولا ترفع الصوت بوجه الانتهاكات المستمرة، ولا تعبر عن آلام الناس الذين دفعوا أثمان الحرب، تخاطر بأن تتحول من موقع جامع لكل اللبنانيين إلى طرف في الانقسام الداخلي.
وفي لحظة تاريخية دقيقة كهذه، يحتاج لبنان إلى رئيس يوحد اللبنانيين حول حماية السيادة والكرامة الوطنية، لا إلى مزيد من السجالات التي تطرح علامات استفهام حول موقع الرئاسة من الصراع القائم ومستقبل البلاد.
