في السياسات الدولية، لا تُقاس أهمية المفاوضات بما يُعلن عنها، بل بما يُخفى منها. فالعناوين التي تُقدم للرأي العام غالباً ما تكون مجرد واجهة لملفات أعمق وأكثر حساسية، فيما تبقى القرارات الكبرى رهينة الغرف المغلقة حيث تُرسم خرائط النفوذ وتُعاد صياغة التوازنات.
من هنا، قد يكون الخطأ الأكبر في قراءة المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران هو اختزالها بالبرنامج النووي الإيراني وحده. فالنووي، على أهميته، يبدو أقرب إلى عنوان تفاوضي كبير منه إلى جوهر ما يجري البحث فيه فعلاً.
فلو كان الهدف الأميركي مقتصراً على منع إيران من امتلاك السلاح النووي، لما احتاج الأمر إلى كل هذا الحراك السياسي والدبلوماسي الممتد من واشنطن إلى مسقط مرورا بباكستان ووصولاً إلى سويسرا. ولو كانت طهران تبحث فقط عن رفع بعض العقوبات، لما دخلت هذا المسار المعقد في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ماذا تريد واشنطن من إيران؟ بل ماذا تريد الولايات المتحدة من الشرق الأوسط كله؟
هنا تبدأ الصورة بالاتضاح.
فالإدارة الأميركية تدرك أن العالم يشهد تحولاً تاريخياً في موازين القوى. فمنذ نهاية الحرب الباردة، تمتعت الولايات المتحدة بهيمنة شبه مطلقة على النظام الدولي، إلا أن الصعود المتسارع للصين خلال العقدين الأخيرين فرض واقعاً جديداً لم يعد ممكناً تجاهله.
الصين اليوم ليست مجرد قوة اقتصادية منافسة، بل مشروع دولي متكامل يمتد من آسيا إلى أفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية. وهي تقترب تدريجياً من امتلاك أدوات التأثير السياسي والعسكري والتكنولوجي التي تجعلها المنافس الأول للولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين.
من هذه الزاوية تحديداً، يصبح الشرق الأوسط بالنسبة لواشنطن ساحة ينبغي ضبطها لا ساحة ينبغي الغرق فيها.
فالولايات المتحدة لا تريد حرباً كبرى مع إيران، كما أنها لا تريد انهيار النظام الإيراني، لأن كلفة الفوضى قد تكون أعلى من كلفة التفاهم. وهي تدرك أن أي انفجار شامل في المنطقة سيستنزف مواردها ويشتت تركيزها في لحظة تعتبر فيها أن المعركة الحقيقية تدور في المحيطين الهندي والهادئ، حيث يتقدم النفوذ الصيني بوتيرة متسارعة.
أما إيران، فهي تدرك بدورها أن الظروف الدولية تغيرت. فالعقوبات أنهكت اقتصادها، والحروب المتعاقبة في المنطقة فرضت عليها أعباءً متزايدة، فيما باتت بحاجة إلى متنفس اقتصادي وسياسي يسمح لها بتحويل نفوذها الإقليمي إلى مكاسب مستدامة.
لذلك، لا تبدو المفاوضات الحالية وكأنها مفاوضات بين خصمين يسعيان إلى إنهاء نزاع محدد، بل أقرب إلى مفاوضات بين قوتين تحاولان إعادة ترتيب قواعد الاشتباك فيما بينها في مرحلة دقيقة.
وإذا صح هذا التوصيف، فإن ما يجري خلف أبواب سويسرا المغلقة يتجاوز بكثير الملف النووي الإيراني.
إنه تفاوض على شكل المنطقة في السنوات المقبلة.
تفاوض على أمن الممرات البحرية والطاقة.
تفاوض على حدود النفوذ وحدود الصدام.
وتفاوض على مستقبل الساحات التي تحولت خلال العقدين الماضيين إلى مسرح للصراع غير المباشر بين واشنطن وطهران.
وفي مقدمة هذه الساحات يأتي لبنان.
فلبنان لم يعد مجرد ملف لبناني، بل أصبح عقدة جيوسياسية تتقاطع عندها مصالح دولية وإقليمية متعددة. ولذلك فإن أي تفاهم أميركي ـ إيراني جدي لا يمكن أن يتجاهل الواقع اللبناني، سواء من زاوية الاستقرار الأمني أو من زاوية إعادة بناء الدولة أو من زاوية التوازنات الإقليمية الأوسع.
وقد يكون هذا ما يفسر الحضور المتزايد للملف اللبناني في النقاشات الجارية، وما يفسر أيضاً الاهتمام الدولي الاستثنائي بمنع انزلاق لبنان إلى مواجهة واسعة قد تطيح بكل فرص التسوية.
من هنا، قد لا يكون السؤال الأهم اليوم هو ما إذا كانت واشنطن وطهران ستتوصلان إلى اتفاق، بقدر ما هو الثمن السياسي الذي سيدفعه أو يجنيه كل طرف مقابل هذا الاتفاق؟
وبالتالي، فهل نحن فعلا أمام تسوية تقنية حول التخصيب النووي، أم بتنا أمام إعادة تشكيل للنفوذ ولمنطقة الشرق الأوسط بأكملها؟
لا أحد حتى الساعة يملك جواباً حاسماً حول الموضوع،
لكن المؤكد أن ما يجري في سويسرا لا يشبه المفاوضات بمعناها التقليدي، حيث أن ما يُناقش اليوم لا يتعلق فقط بمستويات التخصيب وأجهزة الطرد المركزي والعقوبات الاقتصادية… الخ بل يبدو أقرب إلى محاولة رسم قواعد مرحلة جديدة من تاريخ الشرق الأوسط.
مرحلة قد تنتقل فيها المنطقة من إدارة الحروب والأزمات إلى إدارة التسويات.
وحين تُفتح أبواب سويسرا المغلقة، قد يكتشف كثيرون أن الملف النووي لم يكن سوى الفصل الأول من قصة أكبر بكثير… قصة إعادة تشكيل الشرق الأوسط بأكمله.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
