تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
يقف لبنان مجددًا عند مفترق سياسي دقيق تفرضه التحولات المتسارعة في المنطقة. فمع تراجع حدة المواجهات الإقليمية واتساع دائرة التفاهمات الدولية، تبرز فرصة أمام الدولة اللبنانية لإعادة تثبيت موقعها كمرجعية وحيدة لإدارة شؤون البلاد وحماية مصالحها الوطنية.
وتكشف الحركة الدبلوماسية المكثفة تجاه بيروت، والاتصالات المستمرة مع الرئاسات اللبنانية، عن اهتمام دولي واضح بمستقبل لبنان ودوره في المرحلة المقبلة. كما تعكس رغبة متزايدة لدى العواصم المؤثرة في رؤية دولة لبنانية مستقرة وقادرة على الإمساك بقرارها السياسي والأمني والاقتصادي بعيدًا عن التجاذبات الخارجية.
غير أن هذه الفرصة تبقى مرتبطة بقدرة اللبنانيين أنفسهم على استثمارها. فالتجارب السابقة أظهرت أن أي دعم خارجي لا يمكن أن يحقق نتائجه ما لم يترافق مع إرادة داخلية جامعة تعطي الأولوية لمؤسسات الدولة وتضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الفئوية والمحاور الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل الواقع اللبناني عن المشهد الإقليمي الأوسع. فلبنان ظل لعقود ساحة تداخل للمصالح والصراعات، ما جعل قراراته الداخلية تتأثر بصورة مباشرة بالتوازنات الخارجية. واليوم، ومع إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، تبدو الحاجة ملحة إلى تحصين الساحة اللبنانية ومنع تحويلها مجددًا إلى صندوق رسائل أو ساحة مواجهة بالنيابة.
ويملك لبنان عناصر يمكن البناء عليها للخروج من دوامة الأزمات، أبرزها وجود مؤسسات دستورية فاعلة، وتنامي المطالبة الشعبية بإعادة بناء الدولة، إضافة إلى استعداد عربي ودولي للمساهمة في دعم الاستقرار والإصلاح وإطلاق عجلة التعافي الاقتصادي.
لكن النجاح في الاستفادة من هذه المعطيات يتطلب قرارات جريئة وإصلاحات فعلية، تبدأ بتعزيز سلطة المؤسسات الشرعية وترسيخ سيادة القانون، مرورًا بإطلاق مسار اقتصادي وإنمائي جدي، وصولًا إلى حماية الاستقرار الداخلي وإبعاد البلاد عن تداعيات الصراعات المحيطة.
إن المرحلة الحالية قد تشكل فرصة نادرة لإعادة بناء الثقة بالدولة واستعادة دورها الطبيعي، إلا أن هذه الفرصة ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية. فالتردد وإضاعة الوقت قد يؤديان إلى تبديد الزخم القائم وإعادة لبنان إلى دائرة الانتظار التي استنزفته لسنوات طويلة.
