دشّنت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية في أروقة “البنتاغون” مرحلة سياسية وعسكرية جديدة. ولم تعد النقاشات تدور حول شروط استسلام أو فرض ترتيبات مجحفة، بل انتقلت إلى الإجراءات التنفيذية لبدء انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من أجزاء واسعة في جنوب لبنان، وفق ما أكدته هيئة البث الإسرائيلية .
هذا التحول الميداني والدبلوماسي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتاج تفاهمات تحت الطاولة وتوازنات قوى نجح رئيس مجلس النواب نبيه برّي في استثمارها بذكاء، مستنداً إلى أوراق القوة الميدانية والدستورية، ومعززاً بمظلة عربية وإقليمية متماسكة.
دخل الرئيس نبيه برّي المفاوضات مستنداً إلى “مذكرة التفاهم الأميركية” وبغطاء كامل من الموقف اللبناني الرسمي والدستوري المتمثل برئاسة الجمهورية التي تقود التفاوض رسمياً. ويعني هذا التفاهم سياسياً وعسكرياً عدة نقاط جوهرية:
-
- تأمين سلامة الأراضي اللبنانية: تلتزم واشنطن بالبند الأول الذي ينص على حماية سيادة لبنان، مما أسقط الطرح الإسرائيلي القديم حول “المناطق الأمنية العازلة” داخل الحدود.
- فرض “معادلة الأقضية”: نجح برّي في إسقاط فكرة “المناطق التجريبية” (المجزأة والضيقة) التي حاولت تل أبيب فرضها، واستبدلها بطرح “الانسحاب الشامل على مستوى الأقضية” (قضاء تلو الآخر) ضمن مهلة الـ 60 يوماً.
- الانسحاب المتبادل المتوازي: قَبِل لبنان بمعادلة واضحة: كل انسحاب إسرائيلي من قضاء جغرافي واسع، يقابله فوراً انسحاب لحزب الله إلى شمال نهر الليطاني، مما يمهد الطريق مباشرة لبسط سلطة الشرعية.
يشكّل انتشار الجيش اللبناني حجر الزاوية في كامل مشهد المفاوضات الحالية في واشنطن، حيث لم يعد دوره مجرد تحصيل حاصل، بل أداة سيادية تنفيذية مدعومة بقرار دولي وعربي:
-
- ملء الفراغ الأمني فوراً: بموجب طرح “الأقضية”، لن يُترك أي قضاء ينسحب منه الاحتلال في حالة فوضى؛ بل سيتولى الجيش اللبناني، بالتنسيق مع قوات اليونيفيل، الانتشار الفوري والكامل لبسط سلطة الدولة الشرعية والسيطرة على المعابر والخطوط الحيوية.
- تعزيز القدرات العسكرية واللوجستية: إن إعادة الانتشار في جنوب الليطاني تأتي مدعومة بتعهدات دولية واضحة لتسليح الجيش اللبناني وزيادة عديده، لضمان قدرته على إحباط أي تهديدات والحفاظ على الاستقرار المستدام.
- الشرعية الدستورية الموحدة: يمثّل انتشار الجيش ترجمة عملية للموقف الرسمي اللبناني الذي يشدد على أن الدولة هي المفاوض والضامن الوحيد على الأرض، مما يسحب من إسرائيل ذريعة “الخطر الأمني المباشر” على مستوطناتها الشمالية.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لم تتحرك الدبلوماسية اللبنانية في الفراغ، بل استندت إلى شبكة أمان إقليمية ودولية غيّرت مسار التفاوض بالكامل في واشنطن:
-
- المظلة الأميركية-الإيرانية (أجواء جنيف وسويسرا): شكّل تشكيل “الخلية الثلاثية” (واشنطن، طهران، بيروت) لتثبيت وقف إطلاق النار صدمة لتل أبيب؛ إذ تعني عملياً تسليم إدارة ترامب بالدور الإيراني كراعٍ للتسوية، . وزاد الأمر قوة فرض طهران لـ”فيتو النووي”، بإبلاغها الأميركيين بعدم توقيع أي اتفاق نووي قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان.
- المظلة العربية (الرياض والدوحة): يحظى الموقف اللبناني بدعم صلب ومباشر من المملكة العربية السعودية ودولة قطر. هذا الدعم العربي لا يقتصر على الشق السياسي، بل يمتد ليمثل مظلة أمان مالية واقتصادية لدعم انتشار الجيش اللبناني وإعادة إعمار القرى المهدمة، مما يقطع الطريق على محاولات إسرائيل الاستفراد بلبنان أو فرض وصاية أمنية عليه.
يعد اعتراف هيئة البث الإسرائيلية بأن محادثات البنتاغون تبحث “الانسحاب من أجزاء في الجنوب” مؤشراً أمنياً بالغ الأهمية:
-
- انكسار الميدان وكبح جماح الجيش: يعكس القرار التراجع الإسرائيلي تحت وطأة التهديد الإيراني بوقف مفاوضات سويسرا، وإصدار القيادة السياسية في تل أبيب قيوداً تحدد حركة الجيش ضمن “الخط الأصفر”، وتمنعه من تنفيذ عمليات في بيروت وصور.
- أزمة اليمين المتطرف: يتخوف نتنياهو من خسارة ائتلافه الحاكم بسبب غضب اليمين المتطرف من الانصياع للضغوط الأميركية، لكنه مجبر على التنفيذ بعد أن أبلغته إدارة ترامب رسمياً بأن “مرحلة العمل العسكري المفتوح بلا قيود قد انتهت”.
خلاصة القول:
نجح الكباش اللبناني-الإسرائيلي في إظهار قدرة الدبلوماسية اللبنانية، المتمثلة بالرئيس برّي وبتنسيق كامل مع الدولة ورئاسة الجمهورية، على حماية منجزات الميدان وتسييجها بالسيادة الشرعية للجيش اللبناني. إن قطار المفاوضات الذي أرادت إسرائيل إطلاقه من واشنطن لتجريد لبنان من أوراق قوته، أُعيد إلى السكة اللبنانية بفضل مظلة عربية وإقليمية متماسكة، ترفض منح تل أبيب بالسياسة ما عجزت عن تحقيقه بالنار.
