أرخى الليل سدوله على كربلاء، وكأنّ السماء كانت تخفي بين نجومها حزناً عظيماً لم تعرف له البشرية مثيلاً. سكونٌ ثقيل يخيّم على الرمال، وأطفالٌ أضناهم العطش حتى جفّت الدموع في مآقيهم، ونساءٌ يعتصر القلق قلوبهنّ وهنّ ينظرن إلى الغد المجهول. كانت الخيام المتواضعة تحتضن أطهر القلوب، فيما كانت الأرض والسماء تنتظران حدثاً سيغيّر مجرى التاريخ إلى الأبد.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لم يكن ذلك الليل كسائر الليالي؛ فقد كان يعلم أنّه يودّع سبط رسول الله ﷺ، وأنّ فجره سيشرق على دمٍ طاهرٍ لم تُخلق الأرض أزكى منه بعد دماء الأنبياء. كان يعلم أنّ السيوف ستجتمع على قلبٍ لم يعرف إلا الرحمة، وعلى رجلٍ لم يخرج إلا لإحياء الحق وإماتة الباطل. وما إن بزغت شمس عاشوراء حتى شهدت السماء والأرض أعظم مصيبةٍ وأفجع رزية، حين سقط الإمام الحسين عليه السلام على رمضاء كربلاء وحيداً غريباً عطشاناً، وقد أحاطت به السيوف والرماح من كل جانب.
ومنذ ذلك اليوم، لم تكن كربلاء حادثةً عابرة في صفحات التاريخ، بل أصبحت نبضاً دائماً في ضمير الإنسانية، وجرحاً لا يندمل في قلوب المؤمنين. فكل مصيبةٍ تُذكر تستحضر كربلاء، وكل دمعة مظلومٍ تجد صداها في تلك الأرض التي ارتوت بدماء الطهر والوفاء.
ومع ما شهدته البشرية عبر القرون من حروبٍ ومجازر وآلام، تبقى مصيبة الحسين عليه السلام المصيبة الأعظم؛ لأنها لم تكن فقدَ رجلٍ عظيم فحسب، بل كانت استهدافاً للحق في أسمى صوره، وللإسلام في أنقى معانيه، ولابن بنت رسول الله ﷺ الذي اجتمعت فيه شرف النبوة وكرامة الإمامة وعظمة التضحية. ولذلك بقيت فاجعته حيّةً في القلوب، لا يزيدها مرور الزمن إلا حضوراً وامتداداً.
أما اليوم، فلم تعد المآسي تُرتكب بعيداً عن الأنظار كما جرى في كربلاء قبل قرون. العالم كلّه يرى ويسمع، والدماء تُنقل إلى الشاشات لحظةً بلحظة، والأشلاء تُعرض أمام الملايين، والأنين يبلغ الآفاق. ومع ذلك، ما زال الصمت يخيّم على كثير من الضمائر، وكأنّ التاريخ يعيد بعضاً من مشاهده المؤلمة. وهنا تتجدد رسالة كربلاء؛ فليست العبرة أن تبكي الحسين فحسب، بل أن تقف حيث وقف، وأن تنصر المظلوم حيث كان، وأن ترفض الظلم مهما تغيّرت أسماؤه ووجوهه.
إنّ ما بين كربلاء الأمس ومآسي غزة ولبنان اليوم ليس مجرد تشابهٍ في الألم، بل امتدادٌ لمعنى الصمود في وجه الظلم، والثبات على المبدأ رغم قسوة المحن. ويبقى صوت الحسين عليه السلام عابراً للقرون، يوقظ الأحرار في كل عصر، ويذكّرهم بأنّ الحق قد يُحاصَر، وقد يُخذَل، وقد يُستشهد أصحابه، لكنه لا يموت أبداً.
سلامٌ على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين، يوم استُشهد مظلوماً عطشاناً، ويوم بقيت مصيبته أعظم المصائب وأبقاها أثراً في قلوب المؤمنين والأحرار إلى قيام الساعة.
