تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
مع إطلالة كل عام هجري جديد، يتساءل بعضنا المهتم عن حقيقة “عاشوراء” ومعانيها. ومن هؤلاء السائلين مسلمون وغير مسلمين. والواقع أن هذا السؤال ليس مشروعاً فحسب، بل هو فرصة معرفية طيبة نطل منها على مساحات الفهم المتبادل.
فهم الآخر يساهم بدحض النعرات الطائفية أو بالحد من تعميق الفجوات المذهبية. لتحقيق هدفٍ كهذا في بلد التعددية الطائفية لبنان، يقع على عاتقنا وعاتق كل مربي، وبخاصة التربويين، محاولة لتقديم قراءة موضوعية، لا سطحية، تسعى لتقديم مقارنة واعية تبدد سوء الفهم وتتجاوز النمطية، وصولاً إلى فضاء التفاهم المشترك والاحترام الواعي لخصوصيات كل مذهب ودين، كركيزة أساسية للتعايش الإنساني.
أولاً: التقويم الهجري المشترك والخلفية التاريخية
يتفق المسلمون، سنة وشيعة، على أن شهر المحرّم هو أول شهور السنة الهجرية، وأن هذا التقويم تم اعتماده تاريخياً بناءً على هجرة النبي محمد من مكة إلى المدينة المنورة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب.
ومن الناحية التاريخية الأكاديمية، تجدر الإشارة إلى أن الهجرة النبوية حدثت فعلياً في شهر ربيع الأول، إلا أن الصحابة اتفقوا على جعل شهر المحرّم مطلعاً للسنة الهجرية لموافقته مطلع السنة العربية التقليدية واستقرار الناس بعد الفراغ من موسم الحج في ذي الحجة.
ومع هذا الاتفاق الجوهري على الأصل التاريخي، قد يختلف اليوم الأول من المحرّم فعلياً بين الدول والمذاهب، وأحياناً بين المرجعيات الشيعية نفسها، بيوم أو أكثر. ويرجع ذلك إلى تباين المعايير الفقهية في إثبات الشهر، بين الاعتماد على الحسابات الفلكية العلمية أو اشتراط الرؤية البصرية العينية للهلال.
لذا، فإن التقويم الهجري في تطبيقه العملي يحمل مرونة وتنوعاً داخل الفضاء الإسلامي العام. وبناء عليه، لا يوجد اتفاق على بداية شهر الصوم لدى المسلمين، شهر رمضان، بين الدول ذات الأغلبية المسلمة او حتى بين الدول ذات الأغلبية السنية نفسها أو الدول ذات الأغلبية الشيعية نفسها على تاريخ موحد.
ثانياً: تمييز الخلاف الجوهري
إن الخلاف المذهبي حول هذا الشهر لا يتعلق إطلاقاً ببداية العام أو قدسية التقويم، بل يكمن في كيفية إحياء الأيام العشرة الأولى من شهر المحرّم، وتحديداً في طريقة فهم وتمثل اليوم العاشر منه.
● عند أهل السنة والجماعة:
يُستحب عند أهل السنة والجماعة صيام اليوم العاشر من المحرم (الذي يسمى يوم عاشوراء)، وصيام يوم قبله أو بعده، احتساباً للأجر وتكفيراً لذنوب سنة ماضية، بناءً على الأحاديث النبوية الواردة في هذا الشأن.
كما يُعتبر هذا اليوم عند السنة يوماً للعبادة والثناء والشكر لله عز وجل، إحياءً لذكرى نجاة سيدنا موسى عليه السلام وقومه من بطش فرعون، فهو يوم ينتصر فيه الحق الإيماني على الطغيان المادي عبر الصوم والتقرب إلى الله.
● عند الشيعة الإثني عشرية:
من الناحية اللغوية الصرفة، تشير “عاشوراء” إلى اليوم العاشر، ولكن في العُرف والثقافة الشيعية، أصبح المصطلح يطلق مجازاً على العشرة أيام الأولى من المحرّم ككل، إذ تبدأ مع أول ليلة من الشهر مراسم العزاء والحزن، وتستمر عبر مجالس العزاء والمواكب الحسينية التي تتصاعد مشاعرها تدريجياً.
يُعد اليوم العاشر، ذروة الحزن والألم الإنساني والمذهبي، كونه يوافق ذكرى استشهاد الإمام الحسين (أي حفيد الرسول من ابنته فاطمة وزوجها علي). هذا واستشهد الحسين مع أهل بيته وأصحابه في معركة كربلاء عام ٦١ للهجرة (للقراء الأعزاء غير الملمين بهذه التفاصيل التاريخية).
يرتدي الكثير من المسلمين الشيعة الملابس السوداء كرمز للحداد وتعبيراً عن مشاعر الحزن. ويمتد هذا المظهر الحزين عند الكثيرين حتى يوم العشرين من شهر صفر، وهو ما يُعرف بـ”زيارة الأربعين” (أربعينية الإمام الحسين).
ثالثاً: العبرة والمعنى العميق لعاشوراء وقراءتها المقارنة مع المسيحية
إن عاشوراء في عمقها الفكري ليست مجرد مناسبة حزينة عابرة أو بكائية غارقة في التاريخ، بل هي محطة تأمل إنسانية كونية شاسعة. في قصة الحسين، لا يرى الفكر الشيعي مجرد صراع سياسي على السلطة، بل يراها ملحمة أخلاقية كبرى لمقاومة الظلم والطغيان، ووقوفاً مبدئياً في وجه الباطل مهما غلت التضحيات، حيث تلخصها المقولة المأثورة عن الإمام الحسين: “إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي”.
وهنا تحديداً، تبرز علاقة رمزية وفلسفية عميقة جداً بين شهيد كربلاء (الإمام الحسين) وشهيد الجلجثة (السيد المسيح):
فمثلما أن السيد المسيح في العقيدة المسيحية قدّم نفسه تضحيةً وفداءً للبشرية يحمل رسالة المحبة والغفران والمقاومة الروحية للجور، كذلك يرى الفكر الشيعي أن الإمام الحسين قد قدّم دمه وزكاة نفسه فداءً لإحياء القيم الأخلاقية والدينية المستباحة.
كلا الرمزين حمل رسالة سماوية قيمية، وواجه الرفض والاضطهاد والقتل من قِبل قوى البغي في زمانهما، لكن دماءهما تحولت عبر العصور إلى منارة تلهم الأحرار، وتذكر البشرية بأن الخلود الحقيقي لا يُقاس بالعمر البيولوجي الطويل، بل بالثبات والموت من أجل قضية عادلة.
هذه النظرة المقارنة لا تهدف إلى عقد مفاضلات لاهوتية أو دمج المنظومات العقائدية، بل تسعى إلى إبراز القيم الإنسانية المشتركة العابرة للأديان والمذاهب، والتأكيد على أن الشهادة في سبيل الحق والعدل، سواء تمثلت في تضحية المسيح أو استشهاد الحسين، تحمل في طياتها دروساً خلاصية وأخلاقية تنير دروب الإنسانية جمعاء ضد الظلم.
خاتمة القول
إن بداية العام الهجري واحدة كإطار زمني وتاريخي مشترك بين المسلمين، وإن اختلفت التطبيقات والتقديرات العلمية في تحديد مطلع الشهر.
والتمايز الأبرز إنما يكمن في البُعد الثقافي والروحي لإحياء العشرة الأولى من المحرّم؛ فهي عند أهل السنة أيام صيام وعبادة وشكر لله على نجاة الأنبياء، وعند الشيعة أيام حداد وعزاء واستلهام لثورة الحسين ضد الظلم.
في نهاية المطاف، هذا الاختلاف والتمايز ليس مدعاة للفرقة أو التناحر، بل هو، برأينا كتربويين، مظهر من مظاهر الغنى والتنوع الفكري والتاريخي. إن معرفة خصوصيات بعضنا البعض بعيداً عن الجهل والتحريض هي الطريق الأقصر وبوابة العبور الوحيدة نحو الاحترام المتبادل والتعايش الواعي الذي يليق بكرامة الإنسان.
أما الجسور الرمزية التي نمدها مع السيد المسيح، فما هي إلا تأكيد على وحدة المعاناة الإنسانية ووحدة التطلع نحو العدالة، مذكرين دائماً بأن دماء الشهداء المصلحين كانت وستبقى رسالة خلاص وأمل للإنسانية بأسرها.
