عاشوراء، حين تعجز الجراح عن كسر الإرادة. – بقلم الدكتور وشاح فرج
إنه العاشر من محرم، اليوم الذي لا يشبه سائر الأيام، حيث تقف الذاكرة على أعتاب كربلاء، ويعود الزمن ليحمل معه صوت الحسين عليه السلام وهو يصدح في وجه الظلم: “هيهات منا الذلة”.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لكن عاشوراء هذا العام لم تأت كما عرفناها في الأعوام الماضية. فقد حلت على وطن أثقلته الجراح، وعلى أرض ما زالت آثار العدوان والاحتلال الإسرائيلي تنبض وجعا” في ترابها، وعلى قلوب أنهكها الفقد، وبيوت ما زالت تنتظر عودة من لن يعود، وأطفال كبروا قبل أوانهم تحت وقع الخوف، وأمهات ما زلن يخبئن دموعهن كي لا تنكسر العائلة أمام الحزن.
كان يمكن لهذه الجراح أن تضعف العزائم، وأن تجعل الناس ينكفئون إلى أحزانهم، لكن مدرسة الحسين لم تكن يوما” مدرسة انكسار، بل كانت مدرسة نهوض، تعلمنا أن الكرامة لا تقاس بعدد الجراح، بل بالقدرة على الوقوف رغمها، وأن الدم إذا سفك دفاعا” عن الحق، يصبح نورا” يهدي الأجيال.
ولذلك، لم تلغ الظروف عاشوراء، ولم تطفئها الحرب، ولم ينجح الاحتلال في أن ينتزعها من وجدان الناس. بل بدا هذا العام أن التمسك بها أكبر، والحضور إليها أعمق، والارتباط بها أشد رسوخا”. فكل راية ارتفعت كانت إعلانا” بأن الرسالة ما زالت حية، وكل دمعة نزلت كانت عهدا” جديدا” بالوفاء، وكل مجلس أُقيم كان تأكيدا” أن ذكر الحسين لا تحجبه المحن ولا تطفئه النيران.
لقد أثبتت الأيام أن الشعوب التي تحفظ كربلاء في ضميرها لا يمكن أن تستسلم للطغيان. فالحسين لم يكن رمزا” لطائفة، بل صار رمزا” لكل مظلوم يرفض الخضوع، ولكل إنسان يؤمن بأن الحق أغلى من الحياة إذا كانت الحياة ثمنا” للذل.
وفي كل عاشوراء، تتجدد الحكاية، لا بوصفها ذكرى تاريخية، بل باعتبارها مشروعا” أخلاقيا” وإنسانيا” دائما”، يعلم الأحرار أن الظالم مهما امتلك من قوة، فإن الحق أبقى، وأن الدم الزكي أصدق من السيف، وأن الشهداء لا يغيبون، بل يتحولون إلى نبض في ضمير الأمة.
نعم، هذا العام كان مختلفا”. كثرت الجراح، واتسعت دوائر الألم، وامتلأت القلوب بأسماء الأحبة الذين غابوا، لكننا نزداد يقينا” بأن الطريق الذي خط بدم الحسين لا يعرف التراجع، وأن الشعوب التي تربت على الكرامة لا تنحني مهما اشتدت المحن.
فارحلوا عنا، فلن تنتزعوا من صدورنا عشق الحسين، ولن تطفئوا نور عاشوراء، ولن تكسروا إرادة شعب تعلم من كربلاء أن الموت بعزة حياة، وأن الصبر طريق النصر، وأن الأوطان التي تسقى بدماء الأحرار لا تموت.
سيبقى العاشر من محرم موعدا” يتجدد فيه العهد مع الحق، وتتجدد فيه البيعة للقيم التي استشهد من أجلها الحسين عليه السلام. وستبقى عاشوراء، رغم كل ما أصابنا، منارة تهدي الأحرار، ورسالة تقول للعالم كله: قد تثقل القلوب بالجراح، لكن الإرادة التي صنعتها كربلاء لا تهزم، والشعب الذي يردد “هيهات منا الذلة” لا يعرف إلا طريق الكرامة.
