اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل: هل نحن أمام وثيقة سياسية أم معاهدة دولية؟
قراءة قانونية ودستورية في ضوء التاريخ والقانون الدولي
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
إعداد: الدكتور فريد جبور
مونتريال – كندا
ليست المشكلة القانونية في الاتفاقات الدولية في أسمائها، بل في آثارها. فالتاريخ الدبلوماسي مليء بوثائق حملت أسماء متواضعة مثل “إعلان”، أو “إطار”، أو “مذكرة تفاهم”، لكنها غيّرت خرائط الدول وأنهت الحروب وأنشأت التزامات دولية كاملة. وفي المقابل، حملت وثائق أخرى اسم “اتفاق” أو “معاهدة” من دون أن تنتج أي أثر قانوني ملزم بسبب غياب الإرادة المشتركة أو عدم استكمال إجراءات التصديق.
من هنا، فإن النقاش الدائر حول ما يسمى “اتفاق الإطار” بين لبنان وإسرائيل لا ينبغي أن ينطلق من عنوان الوثيقة، بل من مضمونها، ومدى ما تنشئه من حقوق والتزامات، وانعكاس ذلك على السيادة اللبنانية والنظام الدستوري الداخلي.
هذه القاعدة ليست اجتهاداً فقهياً فحسب، بل هي من المبادئ المستقرة في القانون الدولي، التي كرستها اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، والتي جعلت المعيار الحقيقي هو قصد الأطراف في إنشاء التزامات قانونية، لا الاسم الذي يختارونه للوثيقة.
وعند قراءة البنود المتداولة، يلاحظ أنها لا تقتصر على إعلان حسن النيات أو الدعوة إلى الحوار، وإنما تؤسس لمسار قانوني وأمني متكامل يتناول إنهاء حالة النزاع، والانتقال نحو السلام، وإنشاء لجان تنفيذية، ومجموعات عمل، وآليات تحقق، وترتيبات أمنية دائمة، وربط الدعم الدولي بتنفيذ الالتزامات. وهذه العناصر هي، في علم المعاهدات، من الخصائص التقليدية لما يسمى الاتفاقات الإطارية الدولية (Framework Agreements)، التي تؤسس لمعاهدات لاحقة أكثر تفصيلاً، لكنها تنشئ منذ البداية التزامات قانونية على الأطراف.
لقد عرف التاريخ الحديث نماذج مشابهة. فاتفاقات كامب ديفيد سنة 1978 بدأت بوثيقتين إطار قبل أن تتحولا إلى معاهدة سلام كاملة سنة 1979. كما أن اتفاقات أوسلو سنة 1993 حملت بدايةً صفة إعلان المبادئ، لكنها أنشأت التزامات قانونية وسياسية استمرت آثارها لعقود. وكذلك الأمر بالنسبة إلى اتفاقية دايتون عام 1995، التي بدأت إطاراً لإنهاء الحرب ثم أصبحت المرجعية الدستورية الجديدة للبوسنة والهرسك. وفي جميع هذه الحالات، لم يكن الاسم هو الذي منح الوثيقة قوتها القانونية، بل مضمونها وإرادة الأطراف في الالتزام.
ومن زاوية العلوم السياسية، فإن الاتفاقات الإطارية تؤدي وظيفة انتقالية بين الحرب والسلام. فهي لا تنهي الصراع دفعة واحدة، وإنما تعيد تنظيمه قانونياً، وتنقله من ميدان القوة العسكرية إلى ميدان الالتزام القانوني. ولهذا السبب يسميها بعض منظري إدارة النزاعات “اتفاقات الانتقال الاستراتيجي”، لأنها تحول ميزان القوى العسكري إلى قواعد سياسية وقانونية طويلة الأمد.
أما في الحالة اللبنانية، فإن المسألة تتجاوز القانون الدولي إلى القانون الدستوري. فالدستور اللبناني وضع ضمانات خاصة للمعاهدات التي تمس سيادة الدولة أو حدودها أو حالة الحرب والسلم. والغاية من هذه الضمانات ليست إبطاء العمل الدبلوماسي، وإنما حماية الإرادة الوطنية ومنع السلطة التنفيذية من الانفراد باتخاذ قرارات مصيرية تغير موقع الدولة في النظام الإقليمي والدولي.
وإذا كان الاتفاق المتداول يتناول إنهاء حالة الحرب، وإقامة علاقات سلمية، وإنشاء ترتيبات أمنية، وتنظيم العلاقة مع إسرائيل، وربط المساعدات الدولية بتنفيذ التزامات محددة، فإن هذه الموضوعات تقع في صلب الاختصاص الدستوري الذي يستوجب، بعد التفاوض والتوقيع، موافقة مجلس الوزراء ثم موافقة مجلس النواب قبل اكتساب الاتفاق قوة الإلزام داخل النظام القانوني اللبناني.
وتزداد أهمية هذه المسألة عند قراءة البنود التي تتناول الامتناع عن اتخاذ إجراءات في المحافل الدولية ضد إسرائيل. فمثل هذا الالتزام، إذا ورد بصيغة عامة أو مطلقة، لا يقتصر على تنظيم العلاقات السياسية، بل قد يمس أحد أهم مظاهر الشخصية القانونية الدولية للدولة، وهو حقها في اللجوء إلى القضاء الدولي، أو إلى أجهزة الأمم المتحدة، أو إلى الآليات الدولية الخاصة بمساءلة الدول عن انتهاكات القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني. ومن ثم فإن هذا النوع من الالتزامات لا يمكن اعتباره تفصيلاً تقنياً، بل يمس مباشرة نطاق السيادة القانونية للدولة.
وتؤكد التجارب المقارنة أن أغلب الدساتير الديمقراطية تشدد الرقابة البرلمانية على معاهدات الحرب والسلام. ففي الولايات المتحدة لا تدخل معظم المعاهدات الأساسية حيز النفاذ إلا بعد موافقة مجلس الشيوخ. وفي فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، يشترط الدستور موافقة البرلمان على المعاهدات التي تمس السيادة أو الدفاع أو الحدود. والغاية واحدة في جميع هذه الأنظمة: حماية الشرعية الدستورية في القضايا التي تعيد رسم مستقبل الدولة.
ومن منظور علم العلاقات الدولية، فإن الاتفاقات التي تعقد بين طرفين غير متكافئين عسكرياً تثير دائماً سؤالاً أساسياً: هل تعكس توازناً قانونياً، أم أنها تعكس ميزان القوى القائم؟ فالمدرسة الواقعية ترى أن القانون الدولي كثيراً ما يتحول إلى امتداد للتوازن العسكري، بينما تؤكد المدرسة المؤسسية أن شرعية الاتفاق لا تتحقق إلا إذا توافرت المساواة القانونية بين الأطراف وآليات رقابة مستقلة تكفل حسن التنفيذ.
وفي هذا السياق، لا يكفي البحث في مشروعية الاتفاق من حيث الشكل، بل يجب أيضاً دراسة آليات تنفيذه، وهوية الجهة التي تتحقق من الالتزام، وكيفية معالجة الخلافات، وما إذا كانت آليات التنفيذ تحقق المساواة بين الطرفين أم تمنح أحدهما سلطة تفسير الاتفاق بصورة منفردة. فهذه الأسئلة هي التي تحدد في النهاية ما إذا كان الاتفاق يحقق سلاماً عادلاً أم يكرس اختلالاً قائماً في موازين القوى.
لذلك، فإن التوصيف القانوني لهذا النص لا ينبغي أن يقوم على الجدل اللفظي حول عبارة “اتفاق إطار”، بل على التحليل الموضوعي لمضمونه. فإذا بقيت البنود المتداولة بصيغتها الحالية، فإن الوثيقة تقترب من مفهوم الاتفاق الدولي الإطاري الملزم، الذي يؤسس لمعاهدة سلام وتسوية شاملة، ويستوجب استكمال جميع الإجراءات الدستورية اللبنانية قبل أن يكتسب أي أثر قانوني داخلي.
إن احترام الدستور لا يمثل عقبة أمام السلام، بل هو الشرط الذي يمنح أي سلام شرعيته الوطنية. فالسلام الذي لا يمر عبر المؤسسات الدستورية يبقى عرضة للطعن السياسي والقانوني، أما السلام الذي يولد من احترام الدستور، فإنه يكتسب شرعية داخلية تضاهي شرعيته الدولية.
ويبقى المبدأ الأهم الذي علمه التاريخ، منذ معاهدات وستفاليا عام 1648 وحتى الاتفاقات المعاصرة، أن السلام المستدام لا يقوم على قوة النصوص وحدها، بل على توازن الحقوق والواجبات، واحترام السيادة، وخضوع الجميع للقانون. وكل اتفاق يفتقد هذا التوازن قد ينجح في وقف القتال مؤقتاً، لكنه قد يعجز عن إنهاء أسباب النزاع بصورة دائمة.
