سلاح العقوبات الأحادية بين هيمنة القوة وشرعية القانون الدولي. – د. عماد عكوش
تعد العقوبات الاقتصادية ، ولا سيما الأحادية الجانب منها، واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في القانون الدولي والعلاقات الدولية المعاصرة . إنها تمثل منطقة رمادية حيث تتداخل موازين القوى مع القواعد القانونية ، وحيث تتحول الأدوات المالية والنقدية إلى أسلحة في ساحات الحروب الباردة والساخنة.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
تعتمد الولايات المتحدة في فرض عقوباتها على مزيج فريد من السيطرة السياسية والنفوذ المالي . فمن وجهة نظر اقتصادية ، تستمد واشنطن قوتها من هيمنة الدولار كعملة احتياط عالمية ، وسيطرتها على نظام سويفت (SWIFT) للتحويلات المالية ، وشبكة البنوك المراسلة التي تجعل من أي معاملة دولية حتى لو تمت بين طرفين غير أمريكيين عرضة للاختراق أو التجميد إذا ما تمت بالدولار أو عبر النظام المالي الأمريكي .
من منظور القانون الدولي لا يوجد في ميثاق الأمم المتحدة ما يمنح دولة واحدة حق فرض عقوبات اقتصادية شاملة على دولة أخرى بمفردها . العقوبات الشرعية دولياً هي تلك التي يصدرها مجلس الأمن وفقاً للفصل السابع من الميثاق . أما العقوبات الأحادية الأمريكية ، فهي تثير إشكاليات قانونية كبرى منها :
• مبدأ عدم التدخل : تنتهك العقوبات الثانوية التي تعاقب شركات في دول ثالثة لتعاملها مع الدولة المستهدفة مبدأ سيادة الدول على قراراتها الاقتصادية.
• التأثير الإنساني : تؤكد التقارير الدولية مثل تقارير مقرري الأمم المتحدة أن هذه العقوبات غالباً ما تؤدي إلى عقاب جماعي للسكان المدنيين ، وهو ما يتناقض مع العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
إذن ، ما تفعله واشنطن هو قوة أمر واقع (De Facto) تفرضها عبر هيمنة اقتصادية ، لا قوة قانونية (De Jure) مستمدة من إجماع دولي.
أما عن حق إيران في ممارسة نفس الأسلوب ، فإننا ننتقل هنا إلى مبدأ “المعاملة بالمثل” (Reciprocity) في القانون الدولي . تاريخياً ، يُستخدم هذا المبدأ كأداة للعدالة القسرية لتصحيح وضع غير عادل أو رد فعل على انتهاك حقوقي أو تجاري.
هل يحق لإيران ذلك؟ قانونياً ، قد تجادل إيران بأن إجراءاتها هي تدابير مضادة (Countermeasures) ضد عمل غير مشروع وهي العقوبات الأحادية الأمريكية التي تسببت لها بضرر . وفقاً لمشروع مواد مسؤولية الدول لعام 2001 ، يحق للدولة التي وقع عليها ضرر من فعل غير مشروع اتخاذ تدابير مضادة لإجبار الدولة الأخرى على التوقف عن فعلها.
بينما يبدو المنطق السياسي متسقاً وهو “ما يحق للجميع يجب أن يكون للجميع” ، إلا أن القدرة التنفيذية هي الفارق. لكي تمارس إيران عقوبات فعالة ضد شركات عالمية ، يجب أن تمتلك نفس الأدوات التي تمتلكها الولايات المتحدة وهي سيطرة مشابهة على ادوات او انظمة مالية ، القدرة على عزل الشركات عن الأسواق العالمية، ونفوذ سياسي في المنظمات الدولية.
إيران بالفعل اتخذت خطوات تشريعية في مجلس الشورى لمحاولة فرض عقوبات على الشركات المتعاونة مع الحظر الأمريكي ، ولكن فاعلية هذه العقوبات تظل محدودة مقارنة بالقبضة الأمريكية ، نظراً لأن الاقتصاد العالمي لا يزال مرتبطاً بشكل عضوي بالنظام المالي الغربي الذي تهيمن عليه واشنطن.
اليوم استطاعت ايران من خلال مضيق هرمز ان ترد الصاع للولايات المتحدة الاميريكة ولك الشركات الاميركية من خلال السيطرة على مضيق هرمز والذي يعتبر قلب الاقتصاد العالمي والذي تشكل الولايات المتحدة الاميركية اكثر من 25 بالمئة منه ، بالتالي اليوم مجرد تعطيل هذا القلب يعني التضييق على الاقتصاد الاميريكي وعلى كل الشركات المرتبطة بهذا الاقتصاد .
في الخلاصة ومن منظور اقتصادي وقانوني ، يمكننا استخلاص الحقائق التالية:
1. في القانون: لا توجد دولة فوق القانون ، واستخدام الاقتصاد كسلاح هو “تسييس للمجال التجاري” يفرغ القوانين الدولية من محتواها، سواء قامت به أمريكا أو إيران . القانون الدولي يرفض العقوبات التي تعاقب الشعوب أو تنتهك السيادة الوطنية.
2. في الاقتصاد: “عالمية الأدوات” هي التي تحدد النتيجة. الولايات المتحدة تفرض عقوباتها لأن العالم “مضطر” لاستخدام نظامها المالي. إذا أرادت إيران أو أي دولة أخرى أن تفرض عقوبات فعالة، فهي تحتاج إلى بناء “نظام اقتصادي موازٍ” مثل عملات غير الدولار، أنظمة دفع مستقلة، وتحالفات تجارية صلبة ، واليوم مضيق هرمز .
الحق في المعاملة بالمثل هو حق سيادي نظري ، لكن في عالم اليوم، الشرعية القانونية في صراع مع الهيمنة المادية . نحن نتجه نحو عالم متعدد الأقطاب اقتصادياً ، وهذا التعدد هو السبيل الوحيد لكسر احتكار فرض العقوبات ، فبقدر ما تتنوع أدوات التبادل التجاري والنقدي عالمياً بعيداً عن الدولار ، ستفقد القوى العظمى قدرتها على الانفراد بقرار فرض العقوبات ، وسيصبح مبدأ المعاملة بالمثل واقعاً ملموساً وليس مجرد رد فعل لفظي.
