تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
حين تصبح الوحدة الوطنية خط الدفاع الأول “قراءة في مواقف الرئيس نبيه بري لإدارة المخاطر الوطنية ومواجهة المشروع الإسرائيلي”.
ليست الأوطان الصغيرة مجرد جغرافيا محاطة بالتحديات، بل هي كيانات تعيش على حافة التوازن الدقيق بين الداخل والخارج، بين السياسة والأمن، وبين الاختلاف المشروع والانقسام الخطِر. وفي مثل هذه السياقات، لا تُقاس المواقف السياسية فقط بقدرتها على التعبير عن الاعتراض، بل بقدرتها على حماية الدولة من الانزلاق نحو التفكك الداخلي.
من هذا المنظور، يمكن قراءة المواقف الأخيرة لرئيس مجلس النواب اللبناني الأستاذ نبيه بري، لا بوصفها سلسلة تصريحات ظرفية، بل باعتبارها ملامح رؤية سياسية متماسكة، تضع الوحدة الوطنية والسلم الأهلي في قلب أي مقاربة للسياسة والأمن في لبنان.
الفتنة بوصفها الخطر الاستراتيجي الأعلى: يتقدم مفهوم “الفتنة” في خطاب الرئيس بري بوصفه الخطر الأكثر إلحاحاً، لا مجرد توصيف لحالة سياسية. فعندما يخاطب اللبنانيين قائلا ً: “يا أهلي في لبنان… كل لبنان إنها الفتنة”، فإنه يضع إطاراً شاملاً لفهم المرحلة، يقوم على أن أخطر ما يهدد لبنان ليس الخلاف السياسي في ذاته، بل تحوله إلى انقسام داخلي قابل للاشتعال.
ويأتي الاستشهاد بالقول المنسوب للإمام علي “ع”: “كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهراً فيُركب ولا ضرعاً فيُحلب” ليعزز هذا المعنى، إذ يُفهم بوصفه دعوة إلى عدم الانخراط في أي مسار يُستخدم فيه المجتمع كأداة في صراع سياسي أو إقليمي، وإلى تجنب الانجرار نحو مواقع تزيد من تأجيج الانقسام الداخلي.
مواجهة المشروع الإسرائيلي من بوابة الداخل: تعكس هذه المواقف قراءة تعتبر أن التهديد الإسرائيلي لا يقتصر على البعد العسكري المباشر، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة إعادة تشكيل البيئات الداخلية للدول عبر تعميق الانقسامات واستثمار التوترات السياسية والاجتماعية.
ضمن هذا التصور، لا يكون الخطر الحقيقي في المواجهة الخارجية فقط، بل في قدرة هذا الخارج على النفاذ إلى الداخل، وتحويله إلى ساحة غير مستقرة. ومن هنا، تصبح حماية الوحدة الوطنية شكلاً من أشكال الدفاع الاستراتيجي عن الدولة، لا مجرد خيار سياسي داخلي.
الدولة أولاً، المؤسسات فوق الاصطفاف: على الرغم من حدّة الاعتراض السياسي على بعض المسارات أو الاتفاقات، يبرز في خطاب الرئيس بري حرص واضح على عدم تحويل الخلاف السياسي إلى أزمة داخلية أو صدام في الشارع.
فهو يؤكد على ضرورة معالجة القضايا الخلافية ضمن الأطر الدستورية والمؤسساتية، لا عبر الفوضى أو الشارع، بما يعكس تمسكاً بمفهوم الدولة كإطار جامع يعلو على الانقسامات.
وفي السياق ذاته، يحتل الجيش موقعاً مركزياً في هذه الرؤية، باعتباره أحد أعمدة الاستقرار الوطني، وأي مساس به يُنظر إليه كمساس مباشر بتوازن الدولة ووحدتها.
الانفتاح العربي كعنصر استقرار: لا تنفصل هذه الرؤية عن إدراك أوسع لطبيعة موقع لبنان في محيطه العربي. فبدلاً من منطق العزلة أو التموضع الضيق، يبرز في هذا الخطاب توجه نحو الانفتاح على العمق العربي، ولا سيما عبر تعزيز العلاقات المتوازنة مع دول مؤثرة في الإقليم، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ودولة قطر، وايران.
هذا الانفتاح لا يُطرح كخيار سياسي ظرفي، بل كجزء من مقاربة تعتبر أن استقرار لبنان يرتبط بقدرته على إعادة وصل جسوره مع محيطه العربي، بما يخفف من حدة التوترات الداخلية ويمنع انزلاق البلاد إلى مزيد من العزلة والانقسام.
ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى أي مسار تفاوضي أو دبلوماسي يمكن أن يساهم في خفض التصعيد على أنه فرصة سياسية ينبغي التعامل معها بعقلانية، طالما أنها تؤدي إلى حماية الشعوب من كلفة الحروب المستمرة، وإلى إعادة فتح المجال أمام استقرار تدريجي في الإقليم، بيد أن هذا المسار لا ينبغي له أن يتخلى عن نقاط قوته وفي مقدمتها المقاومة والوحدة الوطنية.
الشباب وبناء الدولة، من الانقسام إلى الوعي الوطني: في عمق هذه الرؤية، تتجه الرسالة إلى الجيل الشاب بوصفه العنصر الحاسم في مستقبل لبنان. فبدلاً من إعادة إنتاج الانقسام أو الانخراط في اصطفافات حادة، تُطرح دعوة غير مباشرة إلى تبني ثقافة سياسية جديدة، تقوم على حماية الدولة، واحترام المؤسسات، ورفض الفتنة كخيار سياسي أو اجتماعي.
إن بناء الدولة، في هذا السياق، لا يتحقق بالشعارات أو الانفعالات، بل بالوعي الذي يدرك أن الاختلاف السياسي جزء من الديمقراطية، لكن تحويل هذا الاختلاف إلى صراع وجودي هو ما يهدد الكيان الوطني برمته.
ختامًا، تكشف هذه المواقف أن الرؤية السياسية التي تُقرأ من خلالها الخطابات تقوم على معادلة واضحة: لا استقرار دون وحدة داخلية، ولا دولة دون مؤسسات، ولا حماية للبنان دون توازن بين الداخل والانفتاح على محيطه العربي، وبين الحزم السياسي ورفض الانزلاق إلى الفتنة.
ومن هنا، فإن الرسالة الأعمق التي يمكن استخلاصها هي أن حماية لبنان تبدأ من حماية نسيجه الداخلي، وأن السياسة حين ترتقي إلى مستوى المسؤولية الوطنية تتحول من ساحة صراع إلى أداة لبناء الدولة وصون استقرارها ومستقبل أجيالها.
نسأل الله أن يحفظ لبنان من كل سوء، وأن يصون وحدته، ويحمي شعبه وجيشه ومؤسساته، وأن يرزق جميع قادته من الحكمة بقدر ما يرزقهم من المسؤولية، ومن التواضع بقدر ما يحمّلهم من أمانة، وأن يجعل انتماءهم للبنان فوق كل انتماء. وإذا كانت الأمم تُعرف برجالها في ساعات المحن، فإن الحكمة والاتزان اللذين طبعا مواقف الرئيس نبيه بري في هذه المرحلة يقدمان درسًا في أن حماية الأوطان تبدأ بحماية وحدتها، وأن القيادة الحقيقية هي التي تطفئ نار الفتنة قبل أن تلتهم الجميع.
