“الحسينيون المنفردون”… بديلًا عن الأنفاق والصواريخ! – د. نسيب حطيط
بدأت المرحلة الثالثة من الحرب على المقاومة وأهلها، بعد (حرب المئة يوم) الاستثنائية والأسطورية التي خاضها المقاومون وما زالوا، وأفشلوا خلالها هدف العدو بنزع السلاح والقضاء على المشروع المقاوم، رغم الخسائر الكبيرة في الأرواح والأرزاق، مما فرض على العدو الإسرائيلي الاستعانة بسيده الأمريكي ليقود المرحلة الثالثة من الحرب، وتسخير كل أدواته وحلفائه في المنطقة وحشدها ميدانياً وسياسياً ومذهبياً ومالياً، لتعمل تحت إمرة قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) الأدميرال “براد كوبر”الذي سيعمل الطاقم الرسمي والعسكري ،كأدوات تنفيذية تحت إمرته في استنساخٍ لتجربة العراق بعد الغزو الأمريكي وإعلان “بول بريمر” حاكماً عاماً عليه، مع تعديل ميداني بأن لا يكون الجيش الأمريكي في صدام مباشر مع المقاومة، بل باستخدام الجيش اللبناني والقوى الأمنية، وربما بعض الميليشيات اللبنانية أو جيش النظام السوري الجديد، بالتلازم مع الحرب الإسرائيلية المستمرة.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
تغيرت الظروف والوقائع الميدانية خلافاً لما كانت عليه بعد اجتياح عام 1982، أو أثناء الفترات الذهبية للمقاومة ما بين 2000 و2023؛ فلم تعد سوريا داعمة للمقاومة، وانحازت الحكومة اللبنانية للشراكة الميدانية والعمل المشترك مع الحكومة الإسرائيلية وأمريكا، وأُطبِق الحصار على المقاومة وأهلها داخلياً وخارجياً. ولم يتبقَّ لها إلا “حبل السرة “مع إيران المهدّد بالقطع، والذي فقد الكثير من قوته ومرونته بسبب ما تعرضت له إيران والمقاومة والخندق السوري-العراقي الذي يفصل بينهما، بالإضافة إلى ما تعرضت له الطائفة من نكبة لم تشهدها منذ حملة أحمد باشا الجزار العثماني، وهي تعيش اليوم على مشارف تهديد وجودي لم ينتهِ بعد.
لقد وُضِعت المقاومة وأهلها أمام خيارين لا ثالث لهما، يتراوحان بين الخطر والأخطر، وفق التالي:
– الخيار الأول: الاستسلام وفق “اتفاقية واشنطن” والتي تفرض على المقاومة تسليم سلاحها وحل مؤسساتها الاجتماعية والثقافية والصحية والتربوية وغيرها، وإلا تعرضت للمصادرة والمحاكمة، والتعهد بعدم تهديد إسرائيل ، والالتزام بالتطبيع القسري، دون أي مقابل واضح، فلا انسحاب إسرائيلي إلا بزوال التهديد وفق التعريف الإسرائيلي المطاط والواسع، ولا عودة لأصحاب الأرض إلى قراهم، ولا إعمار، ولا أي ضمانات أمنية للمقاومة.
– الخيار الثاني: الصمود والمقاومة، وعدم الاستسلام، والتفتيش عن حلول تحفظ الوجود والثبات على المبادئ وحماية المستقبل، وحق العودة إلى القرى وبدء الإعمار، بالتلازم مع تقديم بعض التنازلات للدولة وللطوائف للتحرر من الضغوط الداخلية، وتحسين ظروف المواجهة مع العدو.
إن تغيّر الظروف باتجاه الأسوأ، وعدم وجود مؤشر واضح للخروج من هذا النفق الدموي الذي تعيشه الطائفة سوى الأمل بالنصر والرعاية الإلهية، يوجب على المقاومة وأهلها العمل ،لبناء “استراتيجية دفاعية- استراتيجية الصمود” خاصة، لتأمين الصمود في حرب الاستنزاف التي تتعرض لها لأطول مدة ممكنة، بانتظار تغير أوضاع المنطقة نحو الأفضل، ولحفظ ما تبقى من أوراق قوة وحمايتها من الخسارة وتجنّب سوء التقدير والإدارة أو الرهانات الخاطئة، وذلك وفق الآتي:
– القتال على أساس أننا وحدنا ولا نصير لنا، فإذا ما توفّر هذا النصير والمساند، يكون مصدر قوة إضافية يساهم في منع الانهزام أو تحقيق النصر.
– تغيير استراتيجية المقاومة والانتقال من المقاومة التي تحاكي( الجيوش الكلاسيكية من أنفاق وقواعد صواريخ ثابتة) إلى حرب العصابات، من خلال المقاومة المتحركة الفردية والثنائية والثلاثية بمجموعات صغيرة، واعتماد منظومة “الحسينيين المنفردين” “كما حصل في” زبقين” و”ودير سريان” وغيرها من القرى؛ لزعزعة أمن المحتلين، وإجهاض ما يتباهون به من تأمين أمن المستوطنات، و ما كسبوه من مناطق عازلة.
– العودة إلى المقاومة التطوعية وإلغاء التفرغ، إلا في بعض الحالات الخاصة وفق ما تستوجبه ظروف الميدان، وإلغاء كل تفرّغ يتعلق بالأعمال الإدارية والإعلامية واللوجستية للمقاومة.
– إعادة إحياء المقاومة الوطنية الشاملة، ليس لتوفير عديد بشري (إذ لا تزال المقاومة قادرة على توفيره)، بل لإلغاء منظومة “الجغرافيا الآمنة” في لبنان للقوات الأمريكية والإسرائيلية، وحتى لا تنحصر المواجهة في “الجغرافيا الشيعية” التي تتحمل وزر المقاومة تاريخياً، حتى في زمن شراكة الأحزاب اليسارية التي كان عديدها الأساسي من الشيعة.
– ضبط المنصات الإعلامية ووقف التبرع بالتحليلات العشوائية والثرثرة السياسية التي تسيء للمقاومة”.
لا خيار لنا عقائدياً وأخلاقياً ووطنياً إلا الاستمرار بالمقاومة وفق الحكم الشرعي والواقعي والقدرات المتاحة ولن نتجه إلى المقاومة التي تعتمد الانتحار العقائدي والسياسي والعسكري، بل إلى المقاومة الواعية، العقلانية، والموضوعية. ونحن قادرون على الصمود وعدم الانهزام، مع الأمل بالله أن يرزقنا النصر.
لن نستسلم… لن ننتحر.. وسننجو بإذن الله.
