المعركة “قاب قوسين”… ذئاب منفردة” في المنطقة الأمنية
كتب عبدالله قمح في المدن:
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
مبعث كلام رئيس مجلس النواب نبيه بري حول “الفتنة” هو ما يمتلكه من معطيات، وما وُضع في صورته، سياسياً وأمنياً، من جانب المعنيين.
وصل “أبو مصطفى” إلى قناعة مفادها أن إسرائيل تتصرف مع لبنان على أساس أنه تلقى هزيمة عسكرية، وعليه أن يدفع ثمناً في السياسة. لذلك جاء الاتفاق الإطار الذي وقعه الحكم مع الإسرائيليين بعد أن تبنّى تلك الإسقاطات. الخشية الأكبر لدى بري تكمن في أن البعض يريد الاستمرار في سياسة تسديد الأثمان، وأن ينسحب ذلك على الداخل، وهنا يكمن المقصود من وراء التحذير من الفتنة.
السؤال الكبير المطروح اليوم: كيف ستتمكن السلطة من تنفيذ بنود الاتفاق الإطار الذي صيغ في واشنطن وسط اعتراض داخلي بدأ يكبر؟ والسؤال الأكثر إلحاحاً الذي يحتاج إلى إجابات فورية: ما هو ثمن عدم تنفيذ بنود اتفاق تبدو السلطة، حتى الآن، عاجزة عن تطبيقه؟
حزب الله بات مقتنعاً تماماً بأنه أصبح محكوماً في المواجهة، إن لم يكن قد دخلها بالفعل. لذلك اختار أقل الطرق كلفة، عبر الفرار إلى مواجهة ذات طابع سياسي، لا أمني. أما مع إسرائيل، فيريد أن تبقى المواجهة الأمنية مفتوحة وبلا سقوف، وسوف يعمل على تعزيزها، وهو الآن في خضم رسم سيناريو مقلق للإسرائيليين، يقوم على اعتماد استراتيجية “الذئاب المنفردة” لاستهداف الإسرائيليين في عمق ما سمّوه “المنطقة الأمنية”، بنيّة إسقاط تلك المنطقة بمعانيها الأمنية، بالتوازي مع إسقاط متمماتها من الاتفاق الإطار بالمعنى السياسي.
لذلك، هناك تقسيم أدوار واضح بين بري والحزب: الأول يتولى البنود المتعلقة بالمقاومة في معانيها السياسية، وكل ما يشمله ذلك وما سيترتب عليه، والثاني يتولى المقاومة في معانيها الأمنية والعسكرية، مع اتفاق واضح ونهائي بينهما على تحييد الداخل عن أي تبعات أمنية.
لا يحصل ذلك من موقع الضعف، إنما من موقع الانتباه إلى ما تريده إسرائيل والعمل على استئصاله. في هذه النقطة يحصل التقاطع مع الجيش وقيادته، الذي قال صراحة، عبر بيانه الأخير، إنه سيواجه أي تحرك يهدف إلى زعزعة السلم الأهلي في الشارع، وفي ذلك رسالة شديدة اللهجة إلى بعض الفئات التي تراهن على إحداث خضات ميدانية. وبعد هذا الموقف، يكون قد وضع نفسه في منأى عن أي شوارع، ويصبح الرهان عليه في تطبيق بنود اتفاق واشنطن دون جدوى.
في البعد السياسي الأوسع، بدأت تتشكل قوة سياسية لبنانية مناهضة لاتفاق الإطار اللبناني – الإسرائيلي. ومن الواضح أن المسعى المتمثل في إسقاط الاتفاق داخل المؤسسات يشق طريقه بهدوء. وعندما يقول الحزب والحركة إن الاتفاق غير موجود، وإنهما يتصرفان معه وكأنه لم يكن، تصبح فئة عريضة من اللبنانيين خارج مفاعيله.
ويبدو، إزاء ذلك، أن المواجهة لإسقاط الاتفاق عبر المؤسسات باتت خياراً، ويتم احتساب خطواتها بدقة متناهية، لحمايتها من الوقوع في الحفر السياسية أو الصعود على المطبات. وعلى طريقة الحائك، يحبك بري خطواته بعناية. وقد افتتح مشواره من خلال اتصالات تجري مع كتل سياسية وازنة. وبعدما توصل إلى اتفاق على مسار مشترك مع وليد جنبلاط، حضر جبران باسيل إلى عين التينة للبحث في أرضية مشتركة.
ويبدو أن بري أخذ يؤسس لجبهة اعتراض واسعة عابرة للطوائف، ستعبر عن نفسها بصورة أكثر صراحة خلال الأيام والأسابيع المقبلة، وستتحول عين التينة خلال تلك الفترة إلى قبلة سياسية لتنسيق الخطوات. لكن ما ذُكر من زيارات لن يكون يتيماً، ولن يجري الذهاب إلى المواجهة قبل اكتمال عدتها، على أن يشكل مجلس الوزراء المسار الأولي لتدشين تلك المواجهة، ولو أن الجميع، تقريباً، بات في صورة أن قصر بعبدا لن يسمح بمرور الاتفاق على مجلس الوزراء.
ما ينقص الآن يرتبط بتأمين الغطاءين العربي والإقليمي لأي خيارات سياسية مقبلة، من نوع إسقاط الاتفاق أو اعتباره غير ذي قيمة قانونية أو دستورية، وذلك بعد إزالة قشرة الشرعية الرقيقة عنه ضمن مسار دستوري وقانوني معقد، لكنه ليس صعباً.
ولتوفير غطاء إقليمي لأي خطوات مقبلة، يُفهم أن بري فعّل قنوات التنسيق التقليدية مع دول المنطقة، وأن معاونه السياسي النائب علي حسن خليل كُلّف بإدارة تلك الاتصالات، مع بقاء الخيارات مفتوحة أمامه للقيام بجولات خارجية، إن لزم الأمر، للتعبير عن وجهة نظر نصف اللبنانيين المعارضين للاتفاق، وإقناع دول عربية بوجهة النظر اللبنانية الأخرى، وبمدى الأضرار التي يلحقها الاتفاق بالشق السيادي اللبناني.
ما يتردد، بطبيعة الحال، أن ثمة دولًا غير راضية، بل متحفظة، على النتائج التي ترتبت على إطار واشنطن. وهي متحفظة جداً، ليس على الاتفاق كفكرة، وإنما على مضمونه الذي عكس خفة لبنانية شديدة، ونزع عن لبنان أي قدرة سيادية أو ميزات يمكن استخدامها لتحرير أرضه، وجاء ربحاً إسرائيلياً خالصاً، ومنح حقوقاً لدولة معتدية، وجعل احتلالها شرعياً. وكل ذلك سوف يتسبب بضرر على مستويات سياسية ودبلوماسية تتجاوز لبنان، إذ ستتخذ إسرائيل صيغة الاتفاق لاحقاً غطاءً ومبرراً في إبرام أي اتفاق مع دول في المنطقة، وقد أسس الاتفاق، بصيغته اللبنانية، لسابقة خطيرة. كما فُسر الاتفاق على أنه قد يضع سوريا أمام اعتماد المعايير نفسها إسرائيليًا، وهو أمر غير مطلوب.
ثمة جانب آخر أكثر تعقيداً. فالاتفاق، بتفسيراته الإقليمية الأولى، مكّن إسرائيل من التسلط على لبنان، ووضعها فيه وفي داخله بالمعنى الدبلوماسي، وأتاح لها أن تدخل ساحة أخرى كبديل عن دخولها الساحة السورية، وقد يتحول ذلك إلى محاولة دخول ساحات أخرى. وكان حرياً بلبنان أن يعتمد معيار سوريا في المفاوضات التي جرت مع إسرائيل، وأن يفتح نافذة تنسيق معها. وللتذكير، رفضت دمشق صيغة مماثلة تقريباً لتلك التي أذعن لها لبنان، ورفضت الموافقة عليها مدعومة بغطاء تركي – قطري وآخر سعودي. آنذاك، نصحت المملكة العربية السعودية القيادة السورية الجديدة بعدم الذهاب إلى اتفاق وفق ما سُرب من مفردات، ببساطة لأنه يعطي إسرائيل أكثر مما تأخذ سوريا، فاستمعت سوريا إلى النصيحة.
لبنانياً، يراد الاستفادة من مساحة الاختلال القائمة في مضامين الاتفاق لنزع الشرعية القانونية والشعبية عنه، قبل نزع الشرعية الإدارية. وفي هذا الصدد، بدأ خبراء دستوريون وآخرون في القانون والقانون الدولي الإنساني بالانكباب على إعداد دراسات قانونية تنزع عن الاتفاق أي قيمة قانونية أو سيادية، ربطًا بما تضمنه من تفريط في الحقوق. وتشكل هذه الدراسات المرتكز القانوني المبدئي لاعتبار شريحة واسعة من اللبنانيين أن هذا الاتفاق لا يمثلها.
