معادلة “الردع الجغرافي” في المضائق تجهض ولادة الشرق الأوسط الجديد
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
“الشرق الأوسط الجديد على حد السكين!”.. كباش “الردع الذكي والنووي الجغرافي” يصطدم بصخرة التوازنات الكبرى، ومشاريع الهيمنة تواجه “مخاضاً عسيراً” يتجاوز حدود المنطقة!
يمر الشرق الأوسط اليوم بواحد من أعقد وأخطر المنعطفات الجيوسياسية في تاريخه المعاصر؛ حيث يعاد رسم الخرائط السياسية والميدانية وسط مخاض عسير، ونزاع وجودي محتدم بين قوى تسعى لفرض “نظام إقليمي جديد” خاضع بالكامل للهيمنة الأميركية-الإسرائيلية، وبين محور مقاوم وممانع يرفض الانكسار أو التنازل عن عناصر قوته الاستراتيجية.
هذا الصراع لم يعد محصوراً في الحسابات المحلية، بل تمدد ليصبح جزءاً من كباش دولي أوسع تلعب فيه القوى العظمى أدواراً بالغة الحساسية.
تفكيك أبعاد هذا المشهد الدولي والإقليمي، والإجابة عن الأسئلة المحورية حول توازنات القوى ومستقبل المنطقة، ينقسم إلى المحاور التالية:
توازنات لا تكسر بسهولة وتحالفات عابرة للجغرافيا
إن الحديث الأميركي المتجدد عن ولادة “شرق أوسط جديد” يصطدم بحقيقة ميدانية ثابتة وهي أن توازنات القوى في المنطقة لم تعد هشّة أو قابلة للمحو بضربة عسكرية واحدة.
التحالفات الراهنة باتت ممتدة عبر شبكات عابرة للجغرافيا الجيوسياسية التقليدية؛ حيث يتكامل “محور المقاومة” في ترابط عضوي يبدأ من طهران ويمر ببغداد ودمشق وبيروت وصولاً إلى صنعاء .
هذا الترابط خلق معادلة “الردع الذكي والنووي الجغرافي” في الممرات المائية الحيوية كمضيق هرمز وباب المندب.
وبالتالي، فإن فرض أي مشروع سياسي أو أمني جديد، مثل محاولات تسويق “الاتفاقات الإطارية” المجحفة، يواجه ألغاماً ميدانية حقيقية تجعل تطبيقه على أرض الواقع أمراً يقترب من المستحيل.
الدور الروسي والصيني: من يسمح بخرق التوازنات؟
لا يمكن قراءة الصراع في الشرق الأوسط بمعزل عن الاستراتيجية الدولية لروسيا والصين؛ فالعاصمتان (موسكو وبكين) تنظران إلى المنطقة بوصفها ساحة رئيسية لكسر الأحادية القطبية الأميركية:
- الدور الروسي (المرونة العسكرية والأمنية): ترفض موسكو بشكل قاطع تفرد واشنطن بصياغة أمن المنطقة، وهي تعتبر أن تثبيت ركائز حلفائها (مثل الإدارة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع) يمثل مصلحة أمن قومي لها.
- روسيا لن تسمح بكسر كامل للتوازنات يؤدي إلى سيطرة أميركية مطلقة على شرق المتوسط، وتستمر في تقديم الدعم السياسي واللوجستي لمنع استفراد واشنطن وتل أبيب بالقوى المحلية.
- الدور الصيني (الدبلوماسية الاقتصادية والردع الصامت):
- تتبع بكين استراتيجية هادئة لكنها شديدة الفاعلية؛ حيث تعتمد على تأمين خطوط إمداد الطاقة وطريق الحرير.
- ورغم تفضيلها للدبلوماسية الاقتصادية، إلا أن الرسائل العسكرية الصينية الأخيرة—كإطلاق الصواريخ الاستراتيجية من الغواصات في المحيط الهادئ—أثبتت لبلدان الغرب أن بكين مستعدة لحماية مصالحها ومستقبل تحالفاتها في حال تجاوزت واشنطن الخطوط الحمراء وأرادت تفجير الاستقرار في الممرات المائية كمضيق هرمز.
هل يستطيع حزب الله الوقوف في وجه المشروع الجديد؟
يمثل حزب الله العقبة الميدانية الأكبر والأكثر تنظيماً أمام طروحات “الشرق الأوسط الجديد” وتثبيت “المنطقة الأمنية” الاحتلالية في جنوب لبنان.
ورغم جولات الحرب الضارية وحجم التضحيات والدمار الممنهج الذي يمارسه العدو عبر جرف ونسف قرى بأكملها، فإن الحزب يمتلك بنية عسكرية متجذرة في الأرض لا يمكن اقتلاعها بسهولة:
- إسقاط الشروط الميدانية: أثبتت الوقائع—وفقاً لشهادات المصادر العسكرية الرفيعة—أن العدو عجز ميدانيّاً عن الدخول إلى مساحات واسعة بفعل التصدي الشرس للمقاومة، مما دفعه لمحاولة فرض شروط أمنية خبيثة عبر الوسيط الأميركي كالمطالبة بإنشاء “مناطق نموذجية وتجريبية”.
- التلاحم مع البيئة والجيش:
- يرتكز الحزب على عقيدة قتالية صلبة وبيئة شعبية ترفض الاستسلام، بالتوازي مع موقف وطني حاسم للمؤسسة العسكرية اللبنانية التي رفضت بشكل قاطع أن تتحول إلى “بواب” للاحتلال أو أن تعمل تحت إمرته لتنظيف الأرض له أو الدخول في مواجهة مع الأهالي والسلم الأهلي.
- هذا التلاحم يمنع ترامب ونتنياهو من ترجمة “لغة النار” إلى مكاسب سياسية ثابتة على أرض الجنوب والبلدات الحدودية.
“إسرائيل الكبرى”: من المتضرر ومن المستفيد؟
إن مشروع “إسرائيل الكبرى” أو فرض الهيمنة الصهيونية المطلقة من النيل إلى الفرات هو المحرك الأساسي لحالة الجنون والتصعيد الدموي التي يقودها بنيامين نتنياهو لخوض معركة وجود شخصية وسياسية:
- المتضررون (الشرق الأوسط بأسره): يعتبر لبنان، وسوريا، والعراق، ومصر، والأردن، والخليج العربي في مقدمة المتضررين؛ إذ إن وجود إسرائيل كقوة مهيمنة يعني تفتيت الجغرافيا العربية، وإلغاء سيادة الدول، وتحويل عواصم المنطقة إلى كانتونات تابعة، فضلاً عن السيطرة المطلقة للعدو على ثروات الغاز والمياه وأمن الطاقة الإقليمي.
- كما أن استقرار هذا المشروع يسحق حقوق الشعب الفلسطيني وينهي أي أمل بالسيادة الوطنية، ويجعل من دول الجوار مجرد مناطق عازلة لحماية أمن الكيان.
- المستفيدون (محور الاستعمار الغربي): تنحصر الاستفادة في الإدارة الأميركية (لا سيما إدارة ترامب) التي تهدف لتأمين مصالحها النفطية والاستراتيجية بأقل تكلفة عبر وكيل إقليمي قوي، بالإضافة إلى شركات السلاح العالمية، وبعض النخب السياسية المحلية المتأخرة في قراءة التاريخ والتي تتوهم أن الارتماء في أحضان الوعود الأميركية والاتفاقات المنفردة قد يمنحها مكاسب سياسية أو سلاماً مزعوماً على حساب دماء الناس وسيادة الأوطان.
الخلاصة : يعيش الشرق الأوسط مخاضاً لنظام إقليمي جديد يتسم بتصادم مشاريع الهيمنة مع توازنات محور المقاومة، وسط عجز الاحتلال عن فرض شروطه الميدانية رغم لغة النار.
وتشير التوقعات إلى رفع سقف المواجهة في المضائق المائية، وفشل المشاريع الإسرائيلية في جنوب لبنان، مع محورية مرتقبة لزيارة الرئيس اللبناني لواشنطن في ظل انسداد الاتفاقات الأحادية
