بين النزوح الدائم والاستنزاف… أي مستقبل ينتظر أبناء الجنوب؟ – زهراء سويد
لم يعد السؤال في جنوب لبنان متى تنتهي الحرب، بل متى تبدأ الحياة من جديد.
فالمواطن الجنوبي لم يعد يعيش حالة طوارئ مؤقتة، بل أصبح أسير واقعٍ طويل من عدم الاستقرار، والخوف، والاستنزاف النفسي والمادي. هناك من يدفع إيجار منزل في الشمال لأنه لا يستطيع العودة، وفي الوقت نفسه يدفع تكاليف منزلٍ في الجنوب خوفًا من خسارته أو حفاظًا على ما تبقى منه. وهناك من لم يعد يملك منزلًا أصلًا، بعدما تحول إلى ركام ينتظر وعودًا لم تتحقق.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
وفي خضم هذا المشهد، تتردد أحاديث عن حلول مؤقتة، كإقامة “كرافانات” لإيواء المتضررين. لكن هل يمكن أن تتحول حياة عائلة اعتادت العيش في منزل واسع أو شقة مستقرة إلى كرافان ضيق؟ وهل يصبح هذا حلًا أم مجرد وسيلة لتأجيل الأزمة؟
القضية لا تتعلق بجدران وسقف فقط، بل بكرامة الإنسان، وبحقه في أن يعيش حياة طبيعية. فالاستقرار ليس أن يملك الإنسان مكانًا ينام فيه، بل أن يشعر بالأمان داخله، وأن يستطيع شراء أثاث جديد، أو ترميم منزله، أو غرس شجرة في حديقته، وهو مطمئن أنها لن تُدمر بعد أيام.
كيف يمكن لعائلة أن تخطط لمستقبلها، وهي تخشى أن تضع كرسيًا جديدًا في منزلها خوفًا من غارة جديدة؟ وكيف يعود الناس إلى قراهم بينما القرى المجاورة لا تزال تعيش على وقع التوتر، أو تتعرض لغارات، أو تبقى مناطقها خارج السيطرة الكاملة؟ أي شعور بالاستقرار يمكن أن يتولد في ظل هذا الواقع؟
أما أبناء القرى الحدودية، فهم يعيشون معاناة مضاعفة. فهم لا يواجهون فقط خسائر الحرب الماضية، بل يعيشون قلق الحرب المقبلة، وكأن حياتهم معلقة على احتمال دائم. فلا استثمار، ولا إعمار حقيقي، ولا قدرة على التخطيط، لأن المستقبل ما زال غامضًا.
ويبقى السؤال الأكبر: أين هي خطة الدولة؟
هل توجد رؤية واضحة لإعادة إعمار المنازل؟ هل هناك برنامج اقتصادي يعوض الناس عن سنوات النزوح والخسائر؟ هل توجد خطة تعيد الحياة إلى القرى الحدودية، أم أن المطلوب من أهلها أن يتأقلموا مع واقع الخوف إلى أجل غير معلوم؟
إن إعادة بناء الحجر وحدها لا تكفي، إذا بقي الإنسان يشعر بأن حياته يمكن أن تنهار في أي لحظة. فالوطن لا يُقاس بعدد المباني التي تُشيَّد، بل بقدرة مواطنيه على العيش فيه بأمان، والعمل فيه بثقة، وتربية أبنائهم دون خوف من صوت انفجار يعيدهم إلى نقطة الصفر.
لقد دفع أبناء الجنوب أثمانًا باهظة، وما يحتاجونه اليوم ليس فقط التعاطف، بل خطة وطنية واضحة تعيد إليهم حقهم في الحياة الطبيعية، وتمنحهم ما افتقدوه منذ سنوات: الشعور بأن لهم مستقبلًا يمكن بناؤه، لا مجرد انتظارٍ لجولة جديدة من المجهول.
