حتى لا نبقى نازحين بين “ذل” الخيام …و”قهر” البيوت الجاهزة! – د. نسيب حطيط
بدأت ملامح المشهد العسكري والاجتماعي والعمراني للقرى التي احتلتها إسرائيل ودمرتها ، لترسم حياة جديدة للجنوبيين لا تشبه حياتهم منذ مئات السنين، فقد نقلتهم من حياة أبناء الأرض وأصحاب قرارها وقرى عامرة إلى نازحين في قراهم لا يملكون قرار التجول ولا يحوزون نعمة الأمن والاستقرار، ولا يبيتون في بيوت صخرية أو إسمنتية بل في بيوت جاهزة ،كنسخة متطورة من “العرزال” الذي كانوا يقيمونه في حقولهم لحراسة أرزاقهم ، فصارت قراهم مخيمات العائدين !
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لا زال أهلنا يعيشون الحرب المتوحشة عليهم قصفاً وغدراً وقهراً وإذلالاً، وصاروا إما “شهداء أموات أو ” شهداء أحياء” غرباء في قراهم، تقتلهم مشاهد بيوتهم المدمّرة ومقابرهم المجروفة وأشجارهم وكرومهم المحروقة ويعاقبهم المحتل نفسياً بسجنهم في بيوت جاهزة قرب بيوتهم المدمرة ، ليجعلهم غرباء في قراهم، يطلبون إذن الدخول والخروج وأوقات التجول بانتظار لوائح إبعاد الرجال بتهمة المقاومة لبناء مناطق تجريبية للذل والقهر والاستعباد.
حتى لا يكون أهل الجنوب الفئة الثالثة من اللاجئين والنازحين في لبنان مع اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين، وحتى لا يبقى الحل المؤقت للبيوت الجاهزة حلاً مستداماً بديلاً عن البيوت الثابتة من الإسمنت والصخر والكرامة، وحتى لا تكون قرانا نموذجاً هجيناً للمستوطنات الإسرائيلية المواجهة لحدودنا، لا بد أن يبادر أهل المقاومة جميعاً، أفراداً ومهندسين وعلم اجتماع وعلماء دين، البدء “بالمقاومة العمرانية” ومعركة البناء وحفظ تاريخ القرى وإعادة تثبيت الجذور حتى لا نخسر معركة الوجود وحفظ التاريخ حتى لو خسرنا معركة حماية السلاح. فالهدف من الحرب علينا لا يقتصر على نزع السلاح ،بل على نزع العقيدة وإلغاء الوجود، مما يفرض علينا فرداً فرداً، ووفق إمكانياتنا، ما يلي:
– الابتعاد عن أي نقاش لتحديد المسؤوليات عما جرى ومن كان السبب، وتحميل المسؤولية حصراً بالعدو الإسرائيلي، وعند انسحابه ، لا بد من النقاش والعتاب وضبط السلوكيات وتحديد الواجبات وفق الإمكانيات.
– تشكيل لجان القرى من البلديات وعلماء الدين والمهندسين وكل أصحاب الاختصاص لوضع خطة عمرانية لإعادة الأعمار على مستوى القرية لحفظ الحقوق وتسريع عودة الحياة.
– مطالبة ممثلي أهل المقاومة في الحكومة ومجلس النواب ،بتوفير سلفة إعمار للعائدين للبدء بغرس أعمدة البناء حتى لو كانت بلا سقف، وإعطاء الرخص من البلدية بالسماح بإضافة غرفة إسمنت أو أكثر للبيت الجاهز.
– عدم القبول بتجميع البيوت الجاهزة كمخيمات للنازحين، بل أن يكون البيت الجاهز توأماً للبيت المدمّر، حتى لا يكون بيتاً للإقامة الدائمة بل غرفة ورشة لإعادة الأعمار.
– رفع صور كبيرة للبيوت المدمّرة لتكون واجهة البيت الجاهز…وامنعوا نشر صور احياء البيوت الجاهزة.
– إعادة العمل بمنظومة القرى القديمة (“العونة”) في بناء البيوت المدمرة، وإقامة مخيمات التطوع للمساعدة بالبناء من المهندسين والطلاب والعمال والمقاومين، لأن كل بيت نستطيع بناؤه فهو متراس صمود وحفظ حق وهوية وذاكرة.
– البدء ببناء الحسينيات والمساجد بخيم بعيداً عن الزخرفة والجمالية.
– عدم بيع الأراضي مهما كان ثمنها غالياً بسبب الحاجة للبناء، بيعوا السيارات الزائدة وكل مظاهر الترف ، ولتبِع أخواتنا ما تبقى لديهن من ذهب وأساور لتكون البيوت “ذهب القرى”.
– لا تستقبلوا أي مسؤول لا يحمل ما يسهم في إعمار القرى، فالخطب والتصريحات ، لا تبني بيتاً ولا تعمّر قرية ولا تحيي الشهداء ولا تُشفي الجرحى.
نخوض الآن معركة حفظ العقيدة والوجود والتاريخ وحماية المستقبل ضد حشد عالمي ومحلي، وعلينا المقاومة على أساس أننا وحدنا لا نصير لنا ولا معين إلا الله سبحانه ووحدتنا وصبرنا ولنا في رسول الله(ص) أسوة حسنة، فقد هجّره الكفار من مكة إلى المدينة لكنه عاد فاتحاً، وسنعود إلى قرانا عاجلاً أم آجلاً فاتحين منتصرين، بشرط أن نكون جميعاً في معركة البناء والصمود وحفظ العقيدة، وعدم ترك الأمر لمن يتصدون الآن ،لأن المعركة أكبر منهم، ولم يُحسنوا إدارة الأزمة وعدم الكفاءة بتضميد جراحها، فشتم الدولة لا يبني القرى، بل إجبارها على رعاية مواطنيها، وعدم الاكتفاء بالشكوى الخطابية على المنابر ،كما الناس !.
الأخوة المسؤولون …لا تحكوا لنا ما أصابنا، فنحن نعيش ما لا تعرفون عذاباته ولا تنسوا انكم شركاء في الدولة تشتمونها ومسؤولون عن بعض وزاراتها ومؤسساتها ، بل كونوا جنوداً ،بالمقاومة القانونية لاسترجاع الحقوق ولا تكابروا بعدم الاعتراف بما نحن فيه!
لا للمخيمات…نعم للقرى.
