قراءة في هندسة البقاء والاستراتيجية الوطنية عند الرئيس نبيه بري – بقلم المحامي سميح بركات
مقدمة
في لحظة مفصلية يمر بها لبنان والمنطقة، وسط أنقاض الحرب وتداعياتها الميدانية والسياسية، تكتسب مواقف رئيس مجلس النواب نبيه بري التي صرّح بها ل” أساس” ونشرت يوم أمس، أبعاداً استراتيجية تتجاوز تفاصيل السياسة اليومية لتلامس عمق الجيوسياسة الإقليمية والدولية. إن الرجل الذي أمضى عقوداً في سدة القرار اللبناني، لا يقدم في حديثه الأخير مجرد سرديات سياسية، بل يرسم عقيدة سياسية متكاملة ومدرسة في علم السياسية تستند إلى البراغماتية الصلبة، والوعي العميق بالمتغيرات الدولية، وحرص مطلق على حماية النسيج اللبناني والجنوبي على حد سواء.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
أولاً: تحليل الرؤية الاستراتيجية للرجل التسعيني
تتأسس الرؤية الإستراتيجية لنبيه بري في هذه المرحلة على ركائز ثلاث متصلة:
1. الواقعية الدولية والمظلة الثلاثية: عندما يؤكد بري أن «الضمانة الثلاثية» تتألف من السعودية والولايات المتحدة وإيران، فإنه يدرك بحنكة المخضرمين أن أي تسوية مستدامة في لبنان لا يمكن أن تقوم على كسر أي طرف إقليمي أو دولي. إدراكه لدور واشنطن والرياض، بالتوازي مع طهران، يعكس رؤية واقعية وتؤسس لتوازن دقيق يحمي استقرار الداخل.
2. العروبة الجامعة والعمق السني – الشيعي: عبارته الخالدة «أنا شيعيّ الهويّة، سنّيّ الهوى، وعربيّ المنتهى» ليست مجرد بلاغة سياسية أو أدبية، بل هي صمام أمان من الإنفجارات الداخلية ،وقد مارس هذه العناوين فعلاً وليس قولاً فقط . في زمن الانقسامات المذهبية، يطرح بري معادلة تاريخية تقوم على التوافق، مستنداً إلى موقفه التاريخي بعدم التورط في الحرب السورية، مما يمنحه اليوم مصداقية كبرى في مقاربة التغيرات في دمشق وحماية الأقلّيات فيها (العلويين والمسيحيين) من منطق الإقصاء.
3. السيادة من بوابة تنظيم العلاقات مع الجوار: في الملف السوري، يضع بري الإصبع على الجرح عبر المطالبة بضبط الحدود، وترسيمها، واحترام السيادة، منطلقاً من قناعة جغرافية لا تقبل التبديل: «إذا لم تكن العلاقات اللبنانية – السوريّة في أفضل حالاتها، فسنقفز جميعاً إلى البحر ونغرق معاً».
ثانياً: ثقل المواقف في الموازين العالمية والإقليمية
تحمل مواقف رئيس مجلس النواب وزناً نوعياً في المعادلة الدولية لعدة أسباب:
• المخاطبة من موقع الاعتدال والصلابة: قدرة بري على التحدث بلغة مرنة مع واشنطن (عبر الإشارة إلى فهم ترامب له) والتمسك بالثوابت الوطنية، تجعله قناة اتصال لا غنى عنها للمجتمع الدولي الراغب في إرساء الاستقرار.
• القدرة على الاستيعاب الإقليمي: الانفتاح المكثف على المملكة العربية السعودية، والتواصل الإيجابي مع قيادتها، يكسران أي طوق إقليمي ويؤكدان أن الدور الشيعي في لبنان يمكن أن يكون منسجماً مع العمق العربي متى توفرت الإرادة السياسية الصادقة.
• الوزن الشخصي والتاريخي: إن بقاء شخصية بمثل هذا الثقل تدير دفة السلطة التشريعية وتعيد تصويب بوصلة الدولة بالتعاون مع رئاستي الجمهورية والحكومة (عونَ وسلام)، يمنح القرار اللبناني وزناً تفاوضياً أعلى بكثير مما تملكه الأطراف المنكفئة خلف الشعارات الشعبوية.
ثالثاً: هل يُبنى على هذه الرؤية للتحرير والبناء في الجنوب؟
يبقى الجنوب هو الجوهر والهدف الأسمى لإبن الجنوب البار نبيه بري. ويمكن الإجابة عبر الآتي:
1. التحرير عبر الدبلوماسية الصلبة: عندما يحدد بري أولويات زيارة رئيس الجمهورية لواشنطن بـ «تثبيت وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي الشامل، وعودة الناس»، فإنه يدرك أن الصمود الميداني يجب أن يتكامل مع ضغط سياسي ودولي يحصن الإنجازات ويمنع العدو الإسرائيلي من قضم الوقت (كما يجري في زوطر الغربية وغيرها من القرى).
2. الاستعداد للبناء الداخلي: إن تحصين الجِوار السوري، ومنع أي توترات مذهبية، وخلق بيئة إقليمية حاضنة (عبر السعودية وإيران والمجتمع الدولي)، يمثل الشروط الضرورية لأي عملية إعمار وتنمية مستدامة في الجنوب المكلوم. فالاستقرار الخارجي هو الشرط المسبق لعودة الحياة إلى القرى المدمرة.
3. الكلمة المقاوِمة: إن مواقف بري تشكل بحق “كلمة أقوى من الصواريخ”، لأنها تحوّل التضحيات الميدانية إلى مكاسب سياسية قابلة للصرف في دفاتر الشروط الدولية، مانعةً العدو من قطف ثمار عدوانه بالسياسة ما عجز عنه في الميدان.
خاتمة
يمثل خطاب الرئيس نبيه بري خارطة طريق وطنية متكاملة. فهو لا يقتصر على تسجيل مواقف عابرة، بل يضع مداميك واضحة لإنقاذ لبنان من فخاخ الانهيار، وتثبيت حقوق أهل الجنوب في العودة والكرامة والسيادة الكاملة، مؤكداً أن الحنكة السياسية والتبصر الاستراتيجي هما السلاح الأبقى في معارك تثبيت الكيان وبناء الدولة.
