هذا هو السؤال الذي طرح كثيرًا. البعض رأى أن القرار يعكس رغبة في تجنب حرب واسعة، وآخرون اعتبروه حسابًا سياسيًا أو اقتصاديًا. لكن إذا أردنا قراءة أعمق، فمن المفيد العودة إلى ما كتبه راي داليو، أحد أبرز الباحثين في تاريخ صعود وسقوط الإمبراطوريات.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
داليو يقارن بين أزمة قناة السويس عام 1956 ومضيق هرمز اليوم، ويرى أن القوى العظمى لا تُختبر فقط في ميادين القتال، بل في قدرتها على حماية أهم طرق التجارة العالمية دون أن تدخل في حروب تستنزفها.
في عام 1956، لم تكن قناة السويس مجرد ممر مائي، بل كانت شريانًا حيويًا للتجارة العالمية ولنفوذ بريطانيا. وعندما فشلت لندن في فرض إرادتها خلال الأزمة، لم تخسر القناة فقط، بل خسرت هيبتها، وكانت تلك بداية أفول الإمبراطورية البريطانية.
واليوم، يرى داليو أن مضيق هرمز يؤدي دورًا مشابهًا بالنسبة للولايات المتحدة، إذ يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة.
لكن الصورة لا تكتمل إذا اقتصرنا على مضيق هرمز وحده. فهناك أيضًا باب المندب، الذي يشكل مع هرمز وقناة السويس سلسلة مترابطة من أهم الممرات البحرية في العالم. فالسفن الخارجة من الخليج تعبر هرمز، ثم باب المندب، قبل وصولها إلى قناة السويس. وأي اضطراب في أحد هذه الممرات ينعكس على التجارة العالمية وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.
من هنا، فإن وجه الشبه الحقيقي ليس بين قناة ومضيق، بل بين اختبارين للهيبة والنفوذ. ففي الحالتين، كان السؤال: هل ما زالت القوة العظمى قادرة على حماية النظام التجاري العالمي دون أن تدفع ثمنًا يفوق المكاسب؟
إذا أخذنا تحليل داليو بعين الاعتبار، فقد يكون قرار ترامب بعدم الانزلاق إلى مواجهة أوسع مع إيران جزءًا من هذه الحسابات؛ لأن أي حرب في هذه المنطقة لن تكون مواجهة مع إيران فقط، بل مخاطرة بأهم شرايين التجارة العالمية، وما قد يترتب على ذلك من كلفة اقتصادية واستراتيجية على الولايات المتحدة وحلفائها.
سواء اتفقنا مع داليو أو اختلفنا معه، تبقى فكرته الأساسية جديرة بالتأمل: الإمبراطوريات لا تبدأ بالانهيار عندما تخسر معركة، بل عندما تصبح كلفة الحفاظ على هيمنتها أعلى من قدرتها على تحملها، ويبدأ العالم بالتشكيك في قدرتها على حماية طرق التجارة التي يقوم عليها النظام الدولي.
