الكرسي الذي لم يكن فارغًا … حين يصبح الغياب الحاضر الأكبر في حفل التخرج – بقلم: حوراء غندور
تشرفت بتلبية دعوة لحضور حفل تخرّج ثانوية أجيال المستقبل في البازورية، إحدى المؤسسات التربوية التابعة لمؤسسة Global Education بإشراف الدكتور ميلاد السبعلي وهي مؤسسة أثبتت خلال السنوات الماضية أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، وأن التعليم يبقى رسالة مقاومة في وجه كل الأزمات.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
دخلت القاعة قبل بدء الاحتفال، وكانت المنصة مهيأة لاستقبال الخريجين. الكراسي مصطفة في نظامها المعتاد، تنتظر أصحابها، والعباءات السوداء تستعد لتتوشح بأحلام سنوات طويلة من التعب والاجتهاد.
لكن بصري توقف عند كرسي واحد.
كرسي تعلوه عباءة التخرج، فيما بقي صاحبه غائبًا.
لم يكن مشهدًا عابرًا. كان سؤالًا كبيرًا.
وخلال الحفل، عرفت أن ذلك الكرسي كان للشهيد علي سرور، الطالب المتفوق في الصف الثالث الثانوي، الذي نعته مدرسته بعد استشهاده نتيجة الغارة الإسرائيلية، مؤكدة أنه كان نموذجًا في الأخلاق والاجتهاد، ويحلم بأن يصبح مهندسا بالتكنولوجيا كالدكتور ميلاد السبعلي الذي يعتبره قدوة وأنموذجا.
لكن قصة علي لم تبدأ عند ذلك الكرسي.
قبل أشهر، كنت أجلس مع مديرة الثانوية، السيدة ميرا مارون ، في إحدى المناسبات، عندما تلقت اتصالًا من الجامعة الأميركية في بيروت. كان المتصل يحاول الوصول إلى علي ليبلغه أنه حصل على منحة كاملة بنسبة 100% لمتابعة دراسته الجامعية، إلا أنهم لم يتمكنوا من التواصل معه، فلجأوا إلى المدرسة.
ساد الصمت.
ثم رفعت السيدة ميرا رأسها، وقد اغرورقت عيناها بالدموع، وقالت لي بصوت امتزج فيه الفخر بالألم:
“علي استُشهد… واستُشهدت معه والدته.”
لم تكن تلك الكلمات مجرد خبر.
كانت إعلانًا عن حلمٍ انقطع في منتصف الطريق.
واليوم، عندما رأيت عباءة التخرج على ذلك الكرسي، عادت إليّ تلك اللحظة بكل تفاصيلها.
شعرت أن الاحتلال لا يكتفي بسرقة الأرض.
إنه يسرق المستقبل.
يسرق العلماء قبل أن يدخلوا مختبراتهم.
ويسرق المهندسين قبل أن يرسموا أول مشروع.
ويسرق الأطباء قبل أن ينقذوا أول مريض.
ويسرق من الأمهات فرحة العمر، ومن الآباء لحظة انتظار طالما تخيلوها.
وما زاد المشهد وجعًا أن والد علي لم يكن حاضرًا.
لم يستطع أن يحضر.
كان الحزن أكبر من أن يسمح له بمشاهدة عباءة ابنه وهي تنتظر جسدًا لن يأتي.
لذلك صعد عمّ الشهيد إلى المنصة، وتسلم الشهادة نيابة عنه.
مشهد لن تنقله أي كاميرا كما شعر به من كان في القاعة.
شهادة يحملها عم، بينما الأب يعجز قلبه عن الوقوف أمام الحقيقة، والأم التي كانت تنتظر أن تزغرد لابنها، سبقت ابنها إلى رحمة الله.
عندها أدركت أن بعض الكراسي لا تكون فارغة أبدًا.
بعض الكراسي تمتلئ أكثر من كل المقاعد الممتلئة.
تمتلئ بصورة صاحبها.
بصوت ضحكاته.
بأحلامه.
وبكل المستقبل الذي كان ينتظره.
لقد رأيت علي سرور في دموع زملائه.
ورأيته في نظرات معلميه.
ورأيته في الصمت الذي خيم على القاعة عندما اقتربت لحظة تسليم شهادته.
كان غائبًا عن المنصة…
لكنه كان حاضرًا في وجدان الجميع.
ولعل أكثر ما لامس قلبي أن دفعة عام 2026 حملت اسم “دفعة طائر الفينيق.”
ولم يكن لهذا الاسم أن يكون أكثر صدقًا.
فنحن أبناء الجنوب نعرف معنى أن يحاول الآخرون إحراق الحياة فينا، ونعرف أيضًا معنى أن ننهض بعد كل سقوط.
قد يسقط طالب، لكن حلمه يبقى.
وقد يغيب إنسان، لكن أثره يواصل تعليم الأحياء.
وقد تُقصف البيوت، لكن المدارس تبقى تفتح أبوابها، لأن المعرفة هي أقوى أشكال المقاومة، ولأن الإيمان بالمستقبل هو الرد الأبلغ على كل محاولة لاغتياله.
رحم الله الشهيد علي سرور، ورحم والدته، وكل شهداء لبنان.
وسيظل ذلك الكرسي يرافقني كلما حضرت حفل تخرج، لأنه علّمني أن بعض الكراسي الفارغة ليست رمزًا للغياب، بل شاهدًا على أحلام لم تمت، ورسالةً تقول إن الأوطان لا تُبنى بالحجر وحده، بل بذاكرة تحفظ أبناءها، وبإرادة تصرّ على أن يولد من كل رماد… طائر فينيق جديد.
