في البداية، يبدو الأمر بريئًا جدًا…
فيديو عابر يحقّق انتشارًا لم يكن متوقّعًا، كلمةٌ عفوية، تتحوّل إلى لازمة يردّدها الناس، ملايين المشاهدات، آلاف التعليقات، ثم إعلانات وعقود وشهرة جاءت من حيث لا يتوقّع صاحبها.
يكفي أن نتذكّر مثلًا كيف يمكن لعبارة بسيطة في فيديو، كـ«أنا التيتا»، أن تغادر سياقها في لحظات، وتتحوّل إلى ترند يردّده الآلاف.
وهنا تحدث اللحظة الأخطر. فييكتشف صانع المحتوى، وربما شخص لم يكن أصلًا يفكّر في أن يصبح صانع محتوى، أن الخوارزمية لا تسأله دائمًا:
ماذا لديك لتقول؟
إنّما تسأله:
ماذا تستطيع أن تفعل كي يتوقّف الناس عندك؟
ومن هنا يبدأ الإدما، ويتحول السؤال
من: ما الفكرة التي تستحق أن أقدّمها؟
إلى: كيف أصدمهم من جديد؟
كيف أجعلهم يتحدّثون عني؟
كيف أبقى في الصفحة الأولى، ولو ليومٍ إضافي؟
شيئًا فشيئًا، يتحوّل الإنسان من صانع محتوى، إلى محتوى يصنعه الترند. وتتحوّل أرقام المشاهدات إلى جهاز لقياس قيمته:
إن ارتفعت، شعر أنه موجود، وإن انخفضت، بدأ يبحث بقلق عن فضيحة، أو خصومة، أو اعتراف، أو مشهد أكثر جرأة يعيده إلى الواجهة.
عندها، تصبح الخصوصية سلعة، والمشاعر مادةً قابلة للنشر.
والخلافات حلقاتٍ متتابعة، والحبّ، والانفصال، والدموع، وحتى أكثر اللحظات حميمية… فرصًا لصناعة محتوى.
وحين تعجز الحياة الحقيقية عن إنتاج ما يكفي من الإثارة، يبدأ الإغراء الأكبر:
أن نبالغ فيها.. أن نمثّلها… أن نختلق جزءًا منها.
فالترند، في النهاية، لا يسأل كثيرًا إن كانت الحكاية حقيقية…
يكفي أن تكون قابلة للجدل.
وهكذا تتحوّل الحياة إلى مسرحية طويلة، ويصبح الإنسان ممثلًا يؤدّي دور نفسه أمام جمهور لا يشبع. ولعلّ الجدل الذي يرافق محتوى بعض صُنّاع المحتوى، مثل دكتور فود وشروق، يكشف حجم هذا التحوّل. فالجمهور نفسه بات يتساءل أحيانًا: هل ما نشاهده حياة فعلية؟ أم حياة جرى ترتيبها وتصويرها وتضخيمها كي تبقى صالحة للترند؟
المسألة هنا ليست إصدار حكم على أحد، بقدر ما هي سؤال عن عالمٍ كامل بات يدفع الإنسان لأن يعيش وهو يفكّر في الكاميرا قبل أن يفكّر في اللحظة.
والمفارقة أن من يعتاد الصعود على أمواج الترند، قد لا يعود يملك رفاهية النزول عنها. كل موجة تحتاج إلى أخرى أعلى.
وكل صدمة تحتاج إلى صدمة أكبر. وكل كشفٍ للحياة الخاصة يجعل ما بعده أكثر تطلّبًا… إلى أن يصل الإنسان إلى مرحلة قد يربح فيها الجمهور كله… ويخسر نفسه.
ولعلّ هذا هو أخطر ما في هوس الترند:
أنه لا يسرق الحقيقة من الجمهور فحسب… قد يسرق الإنسان من ذاته أيضًا.
فمن يعيش طويلًا أمام الكاميرا، ويعيد كتابة حياته وفق ما يحبّه المتابعون، قد يستيقظ ذات صباح ويسأل نفسه سؤالًا مرعبًا:
أيّ نسخةٍ مني كانت أنا فعلًا… وأيّها صنعتها فقط كي لا يتوقف الناس عن المشاهدة؟
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
