منذ أن خرج الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى المجال العام مع ChatGPT في أواخر عام 2022، انشغل العالم بتطوّر النماذج: أيّها أكبر، وأسرع، وأكثر ذكاءً، وأقدر على الاستدلال أو التعامل مع النص والصورة والصوت والفيديو. لكن هذا السباق التقني، على أهميته، قد لا يكون الطريقة الأفضل لفهم التحوّل الذي يحدث أمامنا.
فالسؤال الأكثر أهمية للمؤسسات والمدارس والجامعات ليس: أي نموذج نستخدم؟ بل: ما حجم العمل الذي أصبحنا قادرين ومستعدين على تفويضه إلى الذكاء الاصطناعي؟
من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي عبر أربعة مستويات مترابطة: المحادثة، والإنتاج، والعمليات، والاستقلالية. أي الانتقال من أن ينتج الذكاء الاصطناعي إجابة، إلى أن يصنع منتجاً، ثم أن ينفّذ عملية متكاملة، وصولاً إلى أن يعمل من أجل تحقيق هدف.
ليست هذه المستويات تصنيفاً علمياً موحّداً أو مراحل تاريخية تفصل بينها تواريخ حاسمة. فالتقنيات تداخلت، وسبقت بعضها بعضاً في المختبرات قبل أن تنتشر في السوق. لكنها تشكّل إطاراً عملياً لفهم تطوّر استخدام الذكاء الاصطناعي، والأهم لفهم التحوّل التدريجي في العلاقة بين الإنسان والآلة. وهذا التصنيف مهم لفهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتأثيراتها على كافة القطاعات والمؤسسات والمستويات.. وسنعطي في هذا المقال أمثلة محددة عن الإدارة والتعليم، ولكن يمكن بسهولة توسيع الأمثلة الى كافة القطاعات الأخرى.
المستوى الأول: عندما كان الذكاء الاصطناعي يجيب
مثّل ChatGPT لحظة جماهيرية فارقة، ليس لأنه اخترع الذكاء الاصطناعي التوليدي، بل لأنه وضع نموذجاً لغوياً متقدماً خلف واجهة يستطيع أي إنسان استخدامها بلغته الطبيعية.
أصبح النموذج بسيطاً: نسأل، فيجيب. ومن هنا صعد مفهوم هندسة طرح الأسئلة، أي Prompt Engineering، بحيث أصبحت جودة العلاقة مع الذكاء الاصطناعي تتوقف أساساً على قدرتنا على صياغة السؤال والتعليمات والسياق.
في المؤسسات، دخل الذكاء الاصطناعي بهذه الصورة إلى كتابة الرسائل والتقارير، والتلخيص والترجمة والعصف الفكري والتحليل الأولي ودعم القرار. وفي التعليم، دخل إلى إعداد خطط الدروس والأسئلة والشروحات والأنشطة والتغذية الراجعة.
كان التحول كبيراً لأنه جعل قدرات معرفية كانت تحتاج إلى وقت وخبرة متاحة فوراً تقريباً. لكنه كشف أيضاً حدود النماذج اللغوية: أحيانا إعطاء إجابات خاطئة تبدو صحيحة – Hallucination، التحيّزات المتنوعة – Biases، الحساسية للسياق والصياغة، والتفاوت بين الطلاقة اللغوية والدقة المعرفية.
وهنا كانت المسؤولية البشرية واضحة نسبياً. فالآلة تنتج جواباً، والإنسان مسؤول عن تقييمه.
وكان السؤال الأساسي: هل هذه الإجابة صحيحة؟
لكن هذه المرحلة، على أهميتها، لم تكن سوى البداية.
المستوى الثاني: عندما انتقل الذكاء الاصطناعي من الإجابة إلى الإنتاج
التحول التالي لم يكن أن يصبح الجواب أفضل فقط، بل أن يتوقف المستخدم عن طلب المشورة حول كيفية إنتاج شيء ما، ويطلب من الذكاء الاصطناعي أن ينتجه بنفسه.
بدلاً من: «اقترح هيكل عرض»، أصبح الطلب: «أنشئ العرض».
وبدلاً من: «اشرح لي كيف أحلل هذه البيانات»، أصبح: «حلّل البيانات، وابنِ الجداول والرسوم والنموذج المالي».
هنا ننتقل من الحواب Answer إلى منتج رقميArtifact.. والمنتج الرقمي قد يكون تقريراً، أو عرض PowerPoint، أو ملف Excel، أو لوحة تفاعلية Dashboard، أو صورة، أو فيديو، أو بودكاست Podcast، أو موقعاً إلكترونياً، أو برنامجاً، أو Infographic، أو مورداً تعليمياً تفاعلياً.
وساهم تطور هذا النوع من الذكاء الاصطناعي متعدد المخرجات -Multimodal AI، في تسريع هذه النقلة، إذ لم تعد النماذج محصورة بالنص، بل باتت تتعامل مع الصوت والصورة والفيديو والبيانات وتنتج بينها وفيها.
إدارياً، بدأ هذا التحول بتغيير اقتصاد الإنتاج المعرفي نفسه. فالموظف لم يعد يستخدم AI فقط لزيادة سرعته، بل أصبح قادراً على إنتاج مخرجات كانت تتطلب سابقاً سلسلة من الاختصاصات والموارد.
وفي المدرسة، يستطيع المعلم أن ينتقل من فكرة إلى درس، ثم إلى عرض وفيديو وأنشطة وبنك أسئلة وتقويم تفاعلي في زمن قصير جداً.
لكن هذا النجاح يولد وهماً خطيراً: أن ارتفاع جودة الإنتاج يعني بالضرورة ارتفاع جودة المعرفة.
فقد يكون العرض مذهلاً بصرياً والتحليل الذي يحمله ضعيفاً. وقد يبدو النموذج المالي احترافياً بينما تقوم إحدى معادلاته على افتراض خاطئ. وقد يكون الفيديو التعليمي جذاباً لكنه يبني مفهوماً علمياً بصورة غير دقيقة.
لقد أصبحت الآلة أكثر قدرة على إقناعنا بصحة ما تنتجه، وهذا يجعل التحقق أكثر أهمية لا أقل.
وهكذا تغير السؤال من: «هل الإجابة صحيحة؟» إلى: هل هذا المنتج صحيح، متماسك، صالح للاستخدام ويحقق الغاية التي أُنتج من أجلها؟
المستوى الثالث: عندما أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من العملية
ربما هنا يبدأ التحول المؤسسي الحقيقي.
فالمؤسسات لا تعمل من خلال وثائق منفردة، بل من خلال مسارات – Processes. والوثيقة ليست في الواقع سوى النتاج النهائي لعملية سبقتها.
دراسة الجدوى، مثلاً، ليست تقريراً من خمسين صفحة. إنها سلسلة مترابطة من تحديد المشكلة، والبحث في السوق، وتحليل المنافسين، وجمع البيانات، وبناء السيناريوهات والنموذج المالي، واختبار الافتراضات، وتقدير المخاطر، وصياغة التوصيات، ثم تحويل النتائج إلى تقرير وعرض للإدارة.
عندما يستطيع الذكاء الاصطناعي المشاركة في هذه السلسلة كمنظومة واحدة، نكون قد تجاوزنا مرحلة إنتاج الـArtifacts إلى مرحلة تطبيق المسارات Process AI.
تقترب هذه الفكرة مما تسميه الأدبيات التقنية Compound AI Systems: أنظمة لا تعتمد على نموذج لغوي منفرد، بل تربط بين النموذج والبحث وقواعد البيانات وأنظمة الاسترجاع – RAG وأدوات التحليل والبرمجة وأنظمة التحقق وأحياناً نماذج أخرى.
وفي التعليم تصبح الصورة أكثر وضوحاً. فإنتاج درس رقمي متكامل قد يبدأ بتحليل المنهج والكتاب، ثم تحديد الكفايات والأهداف، وتصميم تسلسل التعلم، وإنتاج الشرح والأنشطة والتقويم والوسائط، ثم تحويل المحتوى إلى درس رقمي تفاعلي، واختباره تقنياً وتربوياً، قبل أن يصل إلى المعلم.
القيمة هنا لم تعد في أن يساعدنا الـ AI على كتابة درس، بل في أن نعيد تصميم عملية إنتاج التعلم نفسها.
وهذا فرق جوهري.
ففي المستويين الأول والثاني نضيف الذكاء الاصطناعي إلى طريقة العمل القائمة. أما في المستوى الثالث، فإن الذكاء الاصطناعي يدفعنا إلى السؤال عمّا إذا كانت طريقة العمل نفسها ومساراته بحاجة إلى إعادة هندسة.
لكن من الضروري ألا نخلط بين هذه الأتمتة – Automation، وبين الاستقلالية أو الوكالة – Agency.
قد نبني عملية تحتوي عشرات الخطوات، وننفذها آلياً آلاف المرات، وننتج آلاف التقارير أو الدروس أو التحليلات. ومع ذلك، يبقى النظام في جوهره نظام عمليات Workflow إذا كان الإنسان قد حدد مسبقاً المسار والمنطق ونقاط القرار. فهذه أتمتة للعمليات، من ضمن هذا المستوى الثالث. في هذه المرحلة نقول للآلة عملياً: نفّذي هذه العملية، أو طبقي هذا المسار كما هو، لآلاف المرات.
المستوى الرابع: عندما نعطي الذكاء الاصطناعي هدفاً لا سلسلة تعليمات
يعرف الذكاء الاصطناعي الوكيلي أو المستقل أو القائم على الوكلاء (Agentic AI) بأنه أنظمة قادرة على السعي نحو هدف، والتخطيط، واستخدام الأدوات، واتخاذ خطوات متتابعة بدرجة من الاستقلالية.
مع الـ Agentic AI، لا يحدد الإنسان بالضرورة كل الخطوات. بل يحدد الهدف، والصلاحيات، والقيود، ومعايير النجاح، ويترك للنظام هامشاً أكبر في تحديد الطريق.
وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي في دورة مختلفة: يخطط، ويختار الأدوات، ويتصرف، ويراقب النتيجة، ويقيّم ما حدث، ثم يعدّل خطته ويواصل العمل.
الانتقال هنا دقيق ولكنه عميق:
في المستوى الثالث نقول: نفّذ هذه العملية.
أما في المستوى الرابع فنقول: حقق هذه النتيجة ضمن هذه الحدود.
يمكن مثلاً لوكيل ذكاء اصطناعي في الإدارة أن يتابع الأسواق يومياً، ويرصد ما يتغير، ويقرر أي تطور يستحق بحثاً إضافياً، ويقارن نتائجه بأهداف المؤسسة، ثم يرسل للإدارة خلاصة عندما يرى أن حدثاً ما يستحق الانتباه أو القرار.
ويمكن لوكيل مالي أن يراقب مؤشرات الأداء، يكتشف انحرافاً، يبحث عن أسبابه، يقارنها بالتاريخ والتوقعات، ويولّد تفسيراً أولياً.
وفي التعليم، يمكن بناء معلّم افتراضي Tutor يتابع الطالب على المدى الطويل، يكوّن صورة عن نقاط قوته وضعفه، يكتشف سوء فهم معيناً، يغير مستوى النشاط، يولّد تمريناً جديداً، يراقب النتيجة، ثم يعيد تعديل مسار التعلم.
هنا لا نكون أمام أداة تنتظر أمراً في كل مرة، بل أمام فاعل رقمي محدود الصلاحيات يعمل بصورة مستمرة لتحقيق غاية محددة.
لكن هذه القوة تغيّر طبيعة المخاطر.
في المستوى الأول قد تعطينا الآلة جواباً خاطئاً.
في المستوى الرابع قد تقوم بالفعل الخاطئ.
ومن هنا تصبح قضايا الصلاحيات، والأمن، وPrompt Injection، وحماية البيانات، وحدود القرار، والتدقيق، والتدخل البشري Human-in-the-Loop جزءاً من هندسة النظام، لا إضافات لاحقة إليه.
كلما ازدادت قدرة الذكاء الاصطناعي على الفعل، ازدادت ضرورة الحوكمة.
المستوى الأعلى ليس دائماً المستوى الأفضل
من السهل الوقوع اليوم في وهم أن كل مؤسسة يجب أن تنتقل بأسرع ما يمكن إلى Agentic AI. لكن التطور التقني لا يعني أن كل مشكلة تحتاج إلى أعلى مستوى من الاستقلالية.
إذا كانت الحاجة إجابة، فلا حاجة إلى Agent.
وإذا كان المطلوب Artifact محدداً، فبناء نظام معقد حوله قد لا يضيف قيمة.
وإذا كانت العملية مستقرة وقواعدها واضحة، فقد يكون المسار – Workflow المحكم، أكثر كفاءة وأماناً من وكيل يتمتع بحرية واسعة في اتخاذ القرار.
الأكثر تطوراً تقنياً ليس بالضرورة الأكثر ملاءمة مؤسسياً.
المعيار الصحيح يصبح: ما أقل مستوى من التعقيد والاستقلالية يستطيع تحقيق النتيجة المطلوبة بكفاءة وموثوقية؟
الإدارة والتعليم: الغاية ليست واحدة
وتظهر هنا مفارقة أساسية بين الإدارة والتعليم.
في المؤسسات، يمكن أن تكون الغاية المشروعة من الذكاء الاصطناعي هي نقل جزء متزايد من العمل الروتيني والتحليلي والإنتاجي إلى الآلة، بحيث يتحرر الإنسان لما هو أعلى قيمة: القيادة والحكم والابتكار وبناء العلاقات واتخاذ القرارات المعقدة.
أما في التعليم، فالمعادلة مختلفة.
فالغاية ليست أن تنجز الآلة المهمة بأفضل صورة نيابة عن الطالب، بل أن تجعل الطالب نفسه أكثر قدرة على إنجازها وفهمها ونقدها وتجاوزها.
ولهذا فإن أفضل AI في الشركة قد يكون النظام الذي يقلل الحاجة إلى العمل البشري، بينما أفضل AI في المدرسة قد يكون النظام الذي يزيد العمل العقلي النوعي للمتعلم.
إذا استخدم الطالب الذكاء الاصطناعي لينتج نصاً أفضل بينما تراجعت قدرته على التفكير والكتابة والتحليل من دونه، فنحن لم نحقق تحولاً تعليمياً، بل نقلنا المهمة من المتعلم إلى الآلة.
وهذا يجعل سؤال الذكاء الاصطناعي في التعليم أعمق من سؤال الكفاءة والإنتاجية. إنه سؤال عن نوع الإنسان الذي نريد أن نبنيه في عصر أصبحت فيه المعرفة والإنتاج المعرفي متاحين للآلة.
من هندسة طرح الأسئلة Prompt Engineering إلى هندسة العلاقة بين الإنسان والآلة
مع انتقالنا بين المستويات الأربعة، تتغير المهارة المطلوبة منا.
في المستوى الأول احتجنا إلى Prompt Engineering.
ثم أصبحنا بحاجة إلى هندسة السياق والمواصفات والـ Artifacts.
وفي المستوى الثالث أصبح التحدي هو هندسة المسارات -Workflow Engineering وإعادة تصميم العمليات.
أما في المستوى الرابع، فالقضية تصبح حوكمة التوكيل -Agent Governance: من يحدد الهدف؟ ما صلاحيات الوكيل؟ ما الحدود التي لا يجوز تجاوزها؟ متى يجب أن يتوقف؟ ومتى تنتقل المسؤولية من الآلة إلى الإنسان؟
لهذا فإن السؤال المركزي لم يعد: كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟
بل أصبح: كيف نعيد توزيع العمل والقرار والمسؤولية بين الإنسان والذكاء الاصطناعي؟
وهذا هو التحول الأهم.
فالمؤسسات التي ستتقدم لن تكون بالضرورة الأكثر شراءً لأدوات AI، ولا الأكثر استبدالاً للإنسان بالآلة. بل ستكون تلك القادرة على أن تحدد بوعي: ما الذي نريد من الذكاء الاصطناعي أن يجيب عنه، وما الذي نريد أن ينتجه، وما الذي نسمح له بأن ينفذه كعملية، وما الذي يمكن أن نفوض إليه السعي لتحقيقه كهدف.
عندها فقط ننتقل من استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة جديدة، إلى بناء منظومات جديدة يتكامل فيها الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي، من دون أن نفقد البوصلة حول أيٍّ منهما يجب أن يقود الآخر.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
