يقال إن الرجال لا يبكون.
وكأن الدموع ضعف، وكأن الرجل مطالب بأن يخفي وجعه، وأن يحمل أحزانه وحده، وأن يبقى صلبًا مهما أثقلته الحياة.
لكن الحقيقة أن الرجال يبكون.
نعم، يبكي الرجل حين يفقد أباه، لأن الأب ليس مجرد فرد في العائلة، بل جزء من الذاكرة والسند والجذور. ويبكي حين يفقد أمه، لأن هناك أوجاعًا لا يستطيع الإنسان مهما كان قويًا أن يجد لها الكلمات.
ويبكي حين يمرض أبناؤه، لأن مرض الابن يضع الأب أمام عجز لا يحتمله قلبه. ويبكي يوم يزوج ابنته؛ يفرح لها، لكنه يشعر في اللحظة نفسها أن جزءًا من بيته يغادره، وأن سنوات طويلة من عمره أصبحت ذكرى. تلك هي دموع الحياة.
لكن هناك دموعًا أخرى لا تأتي من فقد شخص، بل من فقد وطن، ومن انهيار أمة، ومن رؤية الظلم يكبر أمام العينين بينما تتراجع القدرة على مواجهته.
يبكي الرجال عندما تصبح الدولة عاجزة عن حماية الضعيف، وعندما تتغلب المصالح الخاصة على المصلحة العامة، وعندما يصبح القانون أقوى على الضعيف وأضعف أمام القوي.
يبكون عندما يجوع إنسان ولا يجد من يسأل عنه، وعندما يمرض آخر ولا يجد دواء، بينما يقف البعض متفرجًا، وكأن آلام الناس لا تخصهم.
يبكي الرجال عندما يتفكك الوطن.
يبكون عندما يحتل جزء من أرضه، وعندما تُدمر مدنه وبيوته، وعندما يصبح المواطن يبحث عن الأمان فلا يجده، ثم ينظر حوله فلا يرى سلطة قادرة على حمايته، ولا مجتمعًا دوليًا قادرًا على وقف المأساة بالقدر الذي يليق بحجمها.
يبكي الرجل عندما يشعر أن ميزان العالم لا يميل دائمًا إلى جانب الحق، وأن القوة كثيرًا ما تفرض شروطها، وأن الضعيف قد يجد نفسه وحيدًا، مهما كانت عدالة قضيته.
ويبكي أكثر عندما لا يجد حتى من يقف إلى جانبه.
نبكي على غزة.
ونبكي من قبل على فلسطين.
ونبكي على لبنان.
ليس لأن الألم وليد اليوم، وإنما لأن الجرح قديم، ولأن المآسي تتكرر، ولأننا نرى أمة كانت يومًا تتحدث عن المصير المشترك، فإذا بها اليوم تعيش حالة من التباعد والانقسام، وتحولت الروابط التي تجمعها إلى حسابات وحدود ومصالح متباينة.
نبكي لأن مفهوم الأمة تراجع أمام واقع الدول والكيانات.
ونبكي لأننا أصبحنا نسأل: من يحمينا؟
وحين يصل الإنسان أو الدولة إلى هذه المرحلة، تبدأ رحلة البحث عن الحماية في الخارج، وتبدأ التحالفات الجديدة، وتتحول العلاقات بين الدول من شراكة في المصير إلى بحث عن القوة والسند والأمان.
وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد سؤال عن رجل يبكي.
ماذا يعني أن يبكي الرجال على أوطانهم؟
هل يعني أنهم ضعفاء؟
أم يعني أنهم ما زالوا يشعرون؟
ربما يكون البكاء في بعض الأحيان آخر ما يملكه الإنسان حين يعجز عن تغيير الواقع.
لكن البكاء وحده لا يكفي.
لا يكفي أن نبكي على غزة ثم نعتاد صور الألم. ولا يكفي أن نبكي على فلسطين ثم يصبح الاحتلال خبرًا يوميًا. ولا يكفي أن نبكي على لبنان ثم ننسى أن الوطن الذي يتفكك اليوم قد يكون غدًا وطنًا آخر.
ولا يكفي أن نبكي على أمة تتراجع، ثم نواصل النظر إلى خلافاتنا الصغيرة وكأنها أهم من مستقبلنا الكبير.
البكاء ليس عيبًا.
والرجل الذي يبكي ليس بالضرورة ضعيفًا؛ فقد تكون دموعه دليلًا على أنه ما زال يحمل في داخله شيئًا اسمه الانتماء.
لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا أكثر من الدموع هو:
لماذا أصبحنا نبكي على الأشياء نفسها مرة بعد مرة، دون أن نتعلم كيف نحميها؟
لماذا نبكي على الوطن بعد أن يضعف، بدل أن نحمي قوته قبل أن يضعف؟
لماذا نبكي على الإنسان بعد أن يجوع ويمرض، بدل أن نبني دولة تحفظ كرامته؟
لماذا نبكي على الأمة بعد أن تتفكك، بدل أن نحافظ على ما يجمعها؟
ولماذا نبحث عن الحماية عند الآخرين، بدل أن نبني قوة تجعلنا قادرين على حماية أنفسنا؟
ربما يحتاج الرجال إلى أن يبكوا.
لكن الأوطان تحتاج، بعد الدموع، إلى رجال ونساء يعملون.
تحتاج إلى عدالة لا تميز بين قوي وضعيف، وإلى دولة تحمي مواطنيها، وإلى مؤسسات لا تخضع للمصالح الخاصة، وإلى أمة تعرف أن اختلافها لا يعني بالضرورة سقوطها، وأن قوتها لا تأتي من الشعارات، بل من العلم والاقتصاد والعدل والوحدة والقدرة على حماية الإنسان.
فليس العيب أن تبكي الرجال.
العيب أن نعتاد البكاء حتى يصبح بديلًا عن الفعل.
ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله دمعة الرجل أن تكون الأخيرة على هذا الوجع، وأن تتحول بعدها الدموع إلى إرادة، والحزن إلى عمل، والضعف إلى قوة، والانقسام إلى تعاون.
فالرجال يبكون…
لكن الأوطان لا تُبنى بالبكاء والدموع.
الأوطان تُبنى عندما يقرر أبناؤها ألا يبكوا عليها مرة أخرى.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
