….هكذا تبدأ أزمة الثّقة قبل أن تبدأ أزمة القرار!
ماذا لو كانت أخطر لحظة في حياة أي قائد… لا تبدأ عندما يخطئ؟
نحن نعتقد عادةً أن القيادة تنهار بسبب قرار سيّئ.
لكن ماذا لو كان هذا الاعتقاد نفسه غير دقيق؟
ماذا لو أنّ المجتمع يبدأ بالابتعاد عن قائده قبل أن يحكم على قراراته؟
بل في اللّحظة التي يشعر فيها أن هذا القائد لم يعد قادراً على احتواء خوفه هو أولاً.
هذه ليست فكرة فلسفية. إنها فرضيّة تناقشها اليوم علوم القيادة وعلم النّفس الاجتماعي وعلم الأعصاب.
الدّماغ لا يسأل أولاً: “هل القرار صحيح؟”
بل يسأل سؤالاً أقدم بكثير:
“هل أنا في أمان؟”
من منظور تطوّري، لم يُصمَّم الدّماغ البشري ليبحث أولاً عن الحقيقة، بل ليهرب من الخوف.
قبل آلاف السّنين، كان أفراد الجماعة يراقبون قائدهم أثناء الخطر. ليس لأنّهم يريدون التّأكّد إنّ خطّته صحيحة, بل لأنّهم يريدون أن يعرفوا إن كان لا يزال متماسكاً. أمّا اليوم فالأدوات تغيّرت, لكنّ الدّماغ لم يتغيّر بالّسّرعة نفسها.
ولهذا، عندما يقف قائد أمام شعب يعيش أزمة، فإنّ النّاس لا تستمع إلى كلماته فقط. إنها تقرأ جهازه العصبي.
هنا تبدأ القصّة الحقيقية,
فقد أظهرت أبحاث العدوى الانفعالية (Emotional Contagion) أنّ الحالات الانفعالية تنتقل داخل المجموعات، وأنّ القائد غالباً ما يكون المصدر الأقوى لهذا الانتقال. كما يبيّن عمل Daniel Goleman في القيادة والذّكاء العاطفي أن القائد لا يؤثر في أداء المجموعة بقراراته فقط، بل بالمناخ النّفسي الذي يصنعه.
لهذا فالخوف لا ينتقل بالكلمات وحدها, بل ينتقل عبر نبرة الصوت والتّوتر ولغة الجسد, وعبر الطّريقة التي يتعامل بها القائد مع الضّغط والنّقد. وهنا تكمن المفارقة: قد يكون القرار صائباً, بينما الجهاز العصبي الذي ينقله إلى النّاس يزرع القلق بدلاً من الثّقة.
ولأنّ الأفكار لا تُختبر في الكتب, بل داخل المجتمعات، وخاصة تلك الّتي تمرّ بالأزمات، فيظهر هنا أنّ لبنان أصبح في الفترة الأخيرة، أكثر من حالة سياسية معقّدة, بل حالة نفسية مضطربة غير قادرة على تنظيم انفعالاتها.
في الحقيقة إنّ المجتمع الّلبناني عاش عقوداً من الحرب، والاغتيالات، والانهيار الاقتصادي، والنّزوح، وعدم اليقين وغيرها من الصّدمات الّتي تغيّر حساسية الانسان تجاه الخطر.
ولهذا، يصبح استقرار القائد النّفسي جزءاً من استقرار المجتمع نفسه. وعندما يرى النّاس خطابات يغلب عليها الانفعال، أو ردود فعل دفاعية، أو عجزاً عن الإصغاء، فإنّهم لا يقيّمون السّياسة فقط, إنهم يرسلون، من دون وعي، رسالة داخلية لأنفسهم:
“إذا كان من يقودنا مرتبكاً… فمن سيحتوي ارتباكنا؟”
وهنا تبدأ أزمة الثّقة قبل أن تبدأ أزمة القرار.
وهذا يفسّر ظاهرة قويّة نعيشها كثيراً في هذه المرحلة:
في لبنان، قد يختلف النّاس حول البرامج، أو التّحالفات، أو الخيارات. لكنّهم يتّفقون سريعاً عندما يشعرون أنّ القيادة لم تعد تمنحهم الإحساس بالأمان. ليس لأنّهم أصبحوا فجأة خبراء في السّياسة, بل لأنّ الدّماغ يلتقط الإشارات الانفعالية قبل أن يحلّل الحجج . وهذا ما يجعل فقدان الثّقة يحدث أحياناً بسرعة أكبر بكثير من فشل أي خطة. وهنا تكمن مسؤولية القيادة؛ فالقائد المسؤول والهادئ ليس فقط من يملك السّلطة، فالسّلطة، في جوهرها، تقوم على اعتراف النّاس بشرعية من يقودهم لا على الخوف وحده، لكنّ هدوء القائد هو ليس فقط صفة شخصية لطيفة, إنّه, وبالدّرجة الأولى, مسؤوليّة, ومورد سياسي ونفسي وأخلاقي. لأنّ القائد الذي لا يستطيع تنظيم انفعالاته، سيجد صعوبة في تنظيم مجتمع يعيش أصلاً تحت ضغط الخوف.
لكن السؤال الأهم ليس عن القائد…بل عنّا نحن!
لماذا نحتاج إلى قادة يطمئنوننا؟ ولماذا تصبح ردود أفعالهم مؤثّرة إلى هذا الحد؟
لأن المجتمع الذي يعيش صدمات متكرّرة يصبح أكثر حساسية في استشعار الخطر. (وهذا ما حاولنا فهمه في المقالات السابقة). والقيادة لا تعمل في فراغ, إنّها تتفاعل مع وعي المجتمع، مع ذاكرته، ومع جراحه. وربما لهذا لا تبدأ أزمة القيادة عندما يخطئ القائد, ولا عندما يخسر معركة, بل عندما يفقد المجتمع ثقته بأن من يقوده ما زال قادراً على ادارة خوفه قبل أن يدير الأزمة.
فالحقيقة أنّ ليس أصعب ما في بناء الأوطان أن نغيّر القوانين… بل أن نغيّر الطّريقة التي يفكّر بها الإنسان عندما يواجه الخوف، والسّلطة، والاختلاف، والمسؤولية. فهناك، يبدأ الوعي…وهناك، تبدأ الأوطان!
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
