لأنّ الوعي لا يغيّر ما نفكّر فيه فقط… بل يغيّر الوطن الّذي نبنيه.
حين تتحوّل الأفكار إلى هويّة…
يصبح الدّفاع عنها أقوى من البحث عن الحقيقة.
جميعنا مررنا بهذه اللّحظة…
لحظة نواجه فيها دليلًا واضحًا يناقض فكرة آمنّا بها لسنوات طويلة. ومع ذلك، بدل أن نسأل: “هل كنت مخطئًا؟”
نجد أنفسنا نبحث، كيف وماذا سنقول لمن تجرّأ وأظهر الأدلّة!
وفي لحظة المواجهة الأعمق، لا يكون الصّراع بين الحقيقة والخطأ، بل تبدأ مبارزة شرسة بين الحقيقة والهويّة.
فمن أنا من دون أفكاري؟ وماذا يبقى منّي إذا سقط ما أؤمن به؟
أحياناً لا يقاوم الإنسان الحقيقة لأنّها خاطئة، بل لأنّه يخشى أن تهدم الصّورة التي كوّنها عن نفسه، أو الجماعة التي ينتمي إليها، أو المعنى الذي عاش سنواتٍ يدافع عنه. ولهذا، فإن مقاومة الحقيقة ليست دائمًا أزمة معرفة، بل قد تكون أزمة هويّة.
في خمسينيّات القرن الماضي، قدّم عالم النفس الاجتماعي
ليون فستنغر مفهومًا غيّر طريقة فهمنا للعقل البشري، وهو التنافر المعرفي.
لاحظ فستنغر أنّ الإنسان، عندما يواجه معلومة تتعارض مع معتقد راسخ لديه، يشعر بتوتر نفسي مزعج.
واللافت أن كثيراً من النّاس لا يغيّرون معتقدهم لتخفيف هذا التّوتر، بل يحاولون التّشكيك بالمعلومة نفسها، أو مهاجمة من قدّمها، أو البحث عن أي تفسير يحافظ على الصّورة القديمة.
وهنا تبدأ المفارقة، فالإنسان لا يدافع دائمًا عن الحقيقة، بل يدافع أحيانًا عن شعوره بالتماسك أمام التّهديد المرافق لها.
من هنا، يصبح السّؤال مختلفًا. لسنا نسأل:
“لماذا يرفض الناس الحقيقة؟” بل نسأل:
“ما الّذي قد يخسره الإنسان إذا اعترف بها؟”
قد يخسر فكرة عاش معها سنوات،
او يخسر شعوره بالانتماء،
والأصعب انّه قد يخسر الصّورة الّتي كوّنها عن نفسه.
قد يبدو هذا التّفسير للوهلة الأولى تأملًا فلسفيًا، لكنّه في الحقيقة واحد من أكثر السّلوكيات الإنسانيّة الّتي دُرِّست في علم النّفس خلال العقود الماضية، ولهذا قد يكون الاعتراف بالحقيقة مؤلمًا أكثر من الاستمرار في الخطأ.
ويقول الباحث جوناثان هايدت أنّ العقل يعمل في كثير من الأحيان كمحامٍ يدافع عن قناعاتنا، أكثر مما يعمل كقاضٍ يبحث عن الحقيقة. بمعنى آخر، نحن لا نبدأ دائمًا بالأدلّة ثم نكوّن رأيًا، بل كثيرًا ما نبدأ بالرّأي، ثم نبحث عن الأدلّة الّتي تدعمه.
غير أنّ فهم هذه الآليّة داخل عقل الفرد لا يكفي، فالأسئلة الأكثر أهمية تبدأ عندما تنتقل هذه الآليّة من شخص واحد إلى مجتمع كامل.
وهنا يصبح لبنان أكثر من بلدٍ يعيش أزماتٍ متكرّرة، إنه مختبر حيّ لفهم العلاقة بين الحقيقة، والهويّة، والخوف.
فكم مرّة تحوّل نقاشٌ حول فكرة إلى معركة حول الانتماء؟
وكم مرة رُفضت معلومة، لا لأنها غير صحيحة، بل لأنّها صدرت من “الجهة الخطأ”؟
وكم مرة أصبح الاعتراف بخطأٍ ما يُفسَّر وكأنه خيانة للجماعة، لا خطوة نحو الحقيقة؟
في هذه اللّحظة، لا يعود الصّراع بين رأيين، بل بين هويّتين.
ولهذا، فإن أخطر ما قد يحدث لأي مجتمع ليس أن يخطئ، فكل المجتمعات تخطئ. الخطر الحقيقي يبدأ عندما يصبح الاعتراف بالخطأ تهديدًا للانتماء. عندها، تتحوّل الحقيقة من فرصة للتعلّم إلى عدوّ يجب مقاومته.
لهذا السّبب، لا تتقدم الأمم لأنّ أفرادها أقل خطأ،
بل لأنها تبني ثقافةً تجعل مراجعة الأفكار فعلًا من أفعال القوّة، لا علامة على الضّعف.
فالمجتمع الذي يحترم الحقيقة، لا يخاف من تغيير رأيه عندما تظهر أدلّة أفضل. أما المجتمع الذي يربط الكرامة بعدم التّراجع، فسيبقى يدور في الحلقة نفسها، مهما امتلك من ذكاء ٍأو طاقات.
لعلّ السّؤال الّذي نحتاج أن نطرحه على أنفسنا ليس:
-“هل نحنُ على حق؟”
بل:
-“هل نملك الشّجاعة لتغيير رأينا وأفكارنا إذا اكتشفنا أنّنا كنّا مخطئين؟”
فربما لا يبدأ الوعي حين نجد الإجابة الصّحيحة، بل حين نتوقّف عن الخوف من السّؤال الصّحيح، وعن محاربة كل من يجرؤ على طرحه.
فالحقيقة لا تُخيف الإنسان بذاتها؛ إنها تُخيف فقط من بنى هويّته على ما قد تهدمه الحقيقة.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
