علّمتُه طفلًا على مقعد الدراسة… ثم وجدته شهيدًا على مقعد تخرّج ابنته
إلى فاطمة حسن محمد طالب: عندما تعجز يد أبيكِ عن التصفيق لكِ… سيصفّق لكِ وطنٌ كامل
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
ذهبتُ يومها كأي أم.
كنت أحضر حفل تخرّج ابنتي من الحضانة في ثانوية الشهيد مصطفى شمران، تلك الثانوية التي لم تكن بالنسبة إليّ مكانًا غريبًا؛ فقد سبق أن علّمت فيها يومًا، وعرفت صفوفها وممراتها ومقاعدها، ووقفت أمام طلابها معلّمة أحمل لهم العلم وأحلم لهم بمستقبل جميل.
لكنني في ذلك اليوم لم أكن المعلّمة.
كنت أمًا.
أمًا جاءت لتشاهد طفلتها تتخرج، لتصفق لها، وتلتقط صورها، وتحفظ في ذاكرتها واحدة من تلك اللحظات الصغيرة التي لا تتكرر في حياة الأمهات.
جلست بين الأهالي، وكنت أعيش فرحتي كأي أم تنظر إلى ابنتها وتقول في سرها: متى كبرت صغيرتي بهذه السرعة؟
ثم التفتُّ إلى جانبي…
وإذا بي أرى على الكرسي المجاور صورة شهيد داخل إطار … فبكيت !
لم أبكِ لأنني رأيت صورة شهيد.
لقد رأينا من صور الشهداء ما يكفي لأن يصبح الحزن جزءًا من ذاكرتنا.
لكنني بكيت لأنني عرفتُ صاحب الصورة.
هنا ، وسط مقاعد حفل تخرّج أطفال رياض الأطفال، كرسي يحمل صورة رجل.
في البداية، يبدو المشهد بسيطًا: صورة شهيد وُضعت تكريمًا له.
لكنني عندما اقتربت ونظرت جيدًا…
توقّف الزمن.
حسن!
الشهيد حسن محمد طالب.
لم أرَ اللحية في الصورة.
لم أرَ الرجل الذي أصبح أبًا.
وللحظة، حتى كلمة “شهيد” غابت عن ذهني.
رأيت تلميذي.
رأيته كما عرفته قبل سنوات طويلة، طفلًا صغيرًا في المراحل الأساسية، يجلس على مقاعد الدراسة حين كنت أعلّم في هذه الثانوية.
رأيت حقيبته.
دفتره.
مقعده.
طفولته.
وربما أسئلة صغيرة سألني إياها يومًا ثم نسيتها أنا، وبقي شيء منها في مكان ما من الذاكرة.
كان واحدًا من أولئك الأطفال الذين نعلّمهم ونحن نظن أن أمامهم عمرًا طويلًا جدًا.
نصحّح لهم خطأً في دفتر.
نطلب منهم أن ينتبهوا.
نفرح عندما يتحسنون.
وننظر إليهم من أمام اللوح ولا يخطر في بالنا أبدًا أننا قد نعيش يومًا لنقف أمام صورهم شهداء.
دارت السنوات يا حسن.
كبرتَ.
خرجتَ من مقعد المدرسة.
صرتَ رجلًا.
صرتَ أبًا.
ثم…
عدتَ إلى المدرسة.
لكن يا ليتك عدت كما خرجت.
عدتَ إليها داخل إطار.
عدتَ صورةً وُضعت على كرسي لأن ابنتك الصغيرة فاطمة حسن محمد طالب كانت تتخرّج.
وهنا…
لم أعد أعرف إلى من أنظر.
إلى التلميذ الذي علّمتُه؟
أم إلى الأب الذي لن يستطيع أن يصفق لطفلته؟
أم إلى الشهيد الذي ترك ابنته تكمل الطريق من بعده؟
يا حسن…
أي امتحان هذا الذي وضعتنا الحياة أمامه؟
كنتُ يومًا أقف أمامك معلّمة.
واليوم أقف أمام ابنتك، ولا أملك لها درسًا في أي كتاب يشرح كيف تتخرج طفلة بينما أبوها يشاهدها من صورة.
فأي منهج يستطيع أن يعلّم طفلة معنى هذا الغياب؟
وأي لغة تستطيع أن تشرح لها لماذا يجلس آباء زميلاتها بأجسادهم، بينما يجلس أبوها داخل إطار؟
⸻
فاطمة… يا ابنتي
لا أعرف كم تفهمين اليوم من كل ما يحدث حولك.
ربما كان التخرّج بالنسبة إليك فستانًا جميلًا، وأصدقاء، ومسرحًا، وأغنية، وشهادة صغيرة تحملينها بفرح.
وربما نظرتِ إلى صورة أبيكِ وفهم قلبك الصغير شيئًا أكبر من عمرك.
لكنني أريد أن أترك لكِ هذه الكلمات.
حتى إذا كبرتِ يومًا، وعدتِ إلى صور تخرّجك الأولى، ووجدتِ صورة أبيكِ على ذلك الكرسي، تعرفين الحقيقة كاملة.
كان أبوكِ يجب أن يكون هناك.
كان يجب أن يجلس على ذلك الكرسي بنفسه.
كان يجب أن يبحث عنكِ بين الأطفال.
أن يصفق عندما يسمع اسمكِ.
أن يرفع هاتفه عاليًا حتى لا تفوته ثانية واحدة.
كان يجب، بعد انتهاء الحفل، أن تنزلي عن المسرح وتركضي نحوه.
أن يحملكِ.
أن يقبّل جبينكِ.
وأن يقول لكِ تلك الجملة التي ينتظرها كل طفل من أبيه:
“أنا فخور بكِ يا ابنتي.”
لكن فاطمة…
هذه المرة أريد منكِ أنتِ أن تنظري إلى صورته وتقولي:
“وأنا فخورة بك يا أبي.”
فخورة جدًا.
ارفعي رأسكِ.
لا تجعلي اليتم يسرق منكِ فرحتك.
ولا تسمحي للحزن أن يجعلكِ تشعرين أنكِ أقل حظًا من الآخرين.
أنتِ ابنة رجل ترك لكِ اسمًا ينبغي أن تحمليه بالعلم والكرامة والنجاح.
وأعرف أن هذه الكلمات لا تعيد أبًا.
لا شيء يعيد الأب.
لا صورة.
لا خطاب.
لا احتفال.
ولا كل كلمات الدنيا.
وعندما تفقد طفلة أباها، لا تفقد شخصًا واحدًا فقط.
إنها تفقد سنوات كاملة كان يجب أن تعيشها معه.
تفقد يده في أول يوم مدرسة.
وصوته عندما تخاف.
وحضنه عندما تتعب.
وملاحظاته عندما تخطئ.
وضحكته عندما تنجح.
وتفقد ذلك السؤال البسيط الذي يبدو عاديًا جدًا لمن ما زال أبوه حيًا:
“بابا، هل أنت فخور بي؟”
وستكبر فاطمة.
ستكبر كثيرًا.
لكن أباها لن يكبر في الصور.
هي ستصبح في الثامنة…
ثم الثانية عشرة…
ثم الثامنة عشرة…
وستتغير ملامحها عامًا بعد عام.
أما حسن…
فسيبقى في عمر الصورة.
ستتخرج فاطمة مرة أخرى.
وربما مرة ثالثة.
وقد تقف يومًا على منصة جامعة تحمل شهادة كبيرة.
وسيصفق الناس.
لكن وسط كل ذلك التصفيق، سيبقى هناك صوت واحد تتمنى لو تسمعه.
صوت أبيها.
وقد يأتي يوم زفافها.
يومها سيبحث قلبها، قبل عينيها، عن الرجل الذي كان من المفترض أن يمشي إلى جانبها.
وكم يؤلمني منذ الآن التفكير في تلك اللحظة.
لكنني أتمنى، حينها، أن تكون فاطمة قد أصبحت امرأة قوية، متعلمة، ناجحة، تحمل أباها في شخصيتها لا في صورتها فقط.
ولهذا لا أريد أن تتحول قصة حسن إلى بكاء وينتهي.
ولا أريد لصورة على كرسي أن تصبح منشورًا نتأثر به لدقائق ثم نواصل حياتنا.
لأن للشهداء دينًا في أعناقنا.
ولأبناء الشهداء دينًا أكبر.
مهما كتبنا…
مهما خططنا…
مهما احتفلنا…
ومهما تحدثنا عن الوفاء…
لن نستطيع أن نوفي رجلًا ترك وراءه طفلته.
فكيف نوفيه؟
بأن نحفظ طفلته.
أن نحفظ تعليمها.
كرامتها.
مستقبلها.
وحقها في وطن يليق بالتضحيات التي دُفعت من أجله.
أبناء الشهداء لا يحتاجون إلى شفقتنا.
يحتاجون إلى وفائنا.
يحتاجون أن يعرفوا أن الوطن لم يأخذ آباءهم ثم ينساهم.
وأن المجتمع الذي يرفع صور الشهداء سيحمل أبناءهم أيضًا.
وأن المدرسة التي علّمت الأب ستفتح ذراعيها لابنت
نريد وطنًا قويًا.
نريد جنوبًا محميًا.
نريد أطفالًا يذهبون إلى مدارسهم آمنين.
نريد أن يكبر أبناؤنا وهم يعرفون أسماء العلماء أكثر مما يعرفون أسماء الشهداء .
ونريد أن نحفظ أمانة من رحلوا ببناء الإنسان الذي بقوا من أجله.
ولهذا، فإن سلاحنا الأول يجب أن يكون العلم.
قبل أي سلاح آخر.
لأن الأرض تحتاج من يحميها…
لكنها تحتاج أيضًا من يعرف كيف يبنيها.
تحتاج الطبيب.
والمهندس.
والمعلم.
والباحث.
والمفكر.
وتحتاج أطفال اليوم أن يصبحوا رجال ونساء الغد الذين لا يستطيع أحد أن يهزم عقولهم.
إذا أردنا أن نكرّم الشهداء حقًا، فلا يكفي أن نعلّق صورهم.
علينا أن نعلّم أبناءهم.
إذا أردنا أن نحفظ الجنوب، فلا يكفي أن نحمي حدوده.
علينا أن نحمي عقول أطفاله.
وإذا أردنا وطنًا لا يُكسر، فلنبنِ جيلًا لا يستطيع الجهل أن يهزمه.
فالكتاب أيضًا يحمي وطنًا.
والقلم أيضًا يدافع عن أرض.
والمدرسة أيضًا خط دفاع.
والعلم انتصار.
أما أنت يا حسن…
فتلميذتك الصغيرة اليوم ليست في صفي.
إنها ابنتك.
والزمن وضع أمامي درسًا لم أكن أتخيل يومًا أن أتعلمه:
أن أرى تلميذي يعود إلى المدرسة شهيدًا، لكي يشاهد تخرّج ابنته من داخل إطار.
لا أعرف إن كانت الأرواح ترى احتفالاتنا.
ولا أعرف إن كنتَ رأيت فاطمة وهي تتخرج.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
لن نسمح بأن يكون كرسيك فارغًا في مستقبلها.
سيملؤه العلم.
سيملؤه نجاحها.
ستملؤه شهاداتها.
وستملؤه كل خطوة تخطوها وهي تحمل اسم أبيها بفخر.
وفاطمة…
عندما تكبرين يومًا وتقرئين هذه الكلمات، تذكري هذه الصورة جيدًا.
هذه ليست صورة أبيكِ في حفل تخرّجك.
هذه شهادة على أن الحب يستطيع أن يحجز مكانًا حتى لمن غادروا الدنيا.
ادرسي يا فاطمة.
تعلّمي.
احلمي أحلامًا كبيرة.
تفوّقي.
كوني امرأة يعرفها الناس بعلمها وأخلاقها وإنسانيتها.
وفي كل شهادة تحملينها، اتركي لأبيكِ مكانًا.
وفي كل نجاح، اهمسي له:
“هذه لك يا أبي.”
وفي يوم تخرّجك الأكبر، حين ترتدين ثوب الجامعة وترفعين شهادتكِ عاليًا، انظري إلى صورته وقولي:
“أبي… لقد أكملتُ الطريق.
خرجتُ من الحفل، لكن ذلك الكرسي لم يخرج مني.
لأنني فهمت أخيرًا أن الحروب لا تترك وراءها قبورًا فقط.
تترك كراسي.
كرسيًا في تخرّج.
كرسيًا حول مائدة.
كرسيًا في عيد ميلاد.
ومكانًا فارغًا في صورة عائلية.
وحضنًا تبحث عنه طفلة فلا تجده.
لذلك، حين تسمعون عن شهيد، لا تسألوا فقط كيف رحل.
اسألوا:
من بقي بعده؟
أي طفلة ستتخرج من دونه؟
أي ابن سيحتاج نصيحته؟
أي أم ستخفي دمعتها كي لا ينهار أطفالها؟
وكم مرة سيموت الغائب من جديد في تفاصيل الحياة الصغيرة؟
رحم الله الشهيد حسن محمد طالب.
وحفظ ابنته فاطمة.
وحفظ كل أبناء الشهداء.
وأعاننا على حمل الأمانة التي تركها لنا من رحلوا.
أما ذلك الكرسي…
فسأظل أتذكره طويلًا.
لأنني رأيت فيه رحلة عمر كاملة:
طفلًا علّمتُه يومًا على مقعد المدرسة…
ورجلًا عاد شهيدًا إلى مقعد تخرّج ابنته.
وبين المقعدين…
وطنٌ كامل يدين له بالكثير.
