المواطن ليس خزينة الدولة الاحتياطية
انضم الآنتابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
حين تتخلّى الدولة عن واجباتها… لماذا تُلاحق المواطن حتى في محاولته النجاة؟
ليس من المقبول، ولا من المنطقي، أن تستمر الدولة في تحميل المواطن أعباءً جديدة، فيما تتقاعس عن القيام بأبسط واجباتها تجاهه.
فالمواطن اللبناني لا يعيش على حساب الدولة، بل هو من يمولها أصلًا، ويدفع الضرائب والرسوم على كل ما يستهلكه ويشتريه ويعمل به، من المحروقات إلى المواد الغذائية، ومن الاتصالات إلى الخدمات المختلفة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا قدّمت الدولة في المقابل؟
حين عجزت الدولة عن تأمين الكهرباء، اضطر المواطن إلى الاشتراك بالمولدات وتركيب ألواح الطاقة وتأمين البدائل من جيبه.
وحين تراجعت الخدمات العامة، دفع المواطن ثمن البديل.
وحين عجزت الدولة عن حماية قدرته الشرائية، تحمّل المواطن وحده نتائج الانهيار.
وحين تقاعست الدولة عن تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة، لم يجد المواطن أمامه إلا أن يبحث عن حلول فردية، لا ترفًا ولا رفاهية، بل محاولة للبقاء والصمود.
لكن المفارقة المؤلمة أن المواطن، ما إن يحاول أن يؤمّن لنفسه بديلاً عن خدمة عجزت الدولة عن تقديمها، حتى تأتي الدولة نفسها لتفرض عليه رسومًا وضرائب جديدة.
أي منطق هذا؟
هل يُعاقَب المواطن لأنه حاول أن يخفف عن نفسه فاتورة العجز الرسمي؟
في موضوع ألواح الطاقة والطاقة البديلة تحديدًا، من المعيب بحق أي دولة تحترم نفسها ومواطنيها أن تتعامل مع الحلول التي لجأ إليها الناس اضطرارًا، وكأنها فرصة جديدة للجباية.
المواطن لم يركّب ألواح الطاقة لأن الدولة قدّمت له كهرباء كافية ثم أراد رفاهية إضافية.
بل ركبها لأن الدولة لم تؤمّن له الكهرباء.
ولم يدفع المواطن من جيبه ثمن منظومة الطاقة لأنه يريد منافسة الدولة في قطاع الطاقة، بل لأنه اضطر إلى أن يقوم بالدور الذي كان يفترض أن تقوم به الدولة.
فكيف يصبح حلّ المواطن لمشكلة صنعتها الدولة، بابًا جديدًا لفرض الرسوم عليه؟
هذه ليست قضية ألواح طاقة فقط.
إنها قضية منطق كامل في إدارة الدولة وعلاقتها بالمواطن.
سائقٌ يدفع ثمن المحروقات، ورسوم السيارة، والصيانة، والطرقات المهترئة، ثم يدفع ثمن ارتفاع الأسعار في كل شيء.
تاجرٌ يواجه الضرائب والرسوم وكلفة النقل والكهرباء والمحروقات، ثم يُطلب منه أن يتحمل المزيد، وكأن القدرة على الاستمرار في العمل أصبحت امتيازًا.
مزارعٌ يواجه كلفة المازوت والأسمدة والري والنقل واليد العاملة، ثم يُترك أمام سوق لا ترحم، ويُحمّل المزيد من الأعباء بدل أن يُدعَم إنتاجه.
معلّمٌ وموظفٌ وعاملٌ وربّ أسرة، جميعهم يدفعون ثمن الانهيار مرات ومرات، عبر الضرائب المباشرة وغير المباشرة وارتفاع أسعار السلع والخدمات.
فإلى متى؟
إلى متى يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف؟
وإلى متى تكون الدولة حاضرة عندما تريد أن تجبي، وغائبة عندما يحين وقت أن تؤدي واجباتها؟
لا يمكن بناء دولة بمنطق: الدولة تأخذ والمواطن يتحمّل.
ولا يمكن مطالبة الناس بمزيد من الضرائب والرسوم فيما الخدمات الأساسية غائبة، والبنى التحتية متهالكة، والكهرباء غير مستقرة، وكلفة النقل والمحروقات تستنزف ما تبقى من مداخيل اللبنانيين.
نحن لا نرفض مبدأ تنظيم القطاعات أو فرض رسوم عادلة وفق القانون، لكننا نرفض أن يتحول عجز الدولة إلى فاتورة دائمة في جيب المواطن.
فالضريبة في الدولة الطبيعية تكون مقابل خدمات، والرسوم تكون ضمن سياسة عامة عادلة، لا أن تصبح وسيلة لسدّ عجز سببه سوء الإدارة والهدر وغياب الرؤية.
المواطن ليس خزينة الدولة الاحتياطية.
والمواطن الذي صمد في أصعب الظروف، وحمل بيته ومؤسسته وعمله واقتصاده على كتفيه، لا يجوز أن يُكافأ بمزيد من الأعباء.
المطلوب اليوم ليس المزيد من الجباية، بل استعادة الدولة لدورها.
المطلوب دولة تؤمّن الكهرباء قبل أن تحاسب المواطن على الطاقة البديلة.
ودولة تضبط أسعار المحروقات وتحمي الناس من الانهيار بدل أن تجعل كل زيادة في سعر النفط أزمة جديدة في حياة اللبنانيين.
ودولة تقف إلى جانب المزارع والتاجر والسائق والعامل والمعلم، لا أن تنظر إليهم فقط من زاوية ما يمكن تحصيله منهم.
لقد تحمّل اللبناني أكثر مما يستطيع، ودفع أكثر مما يحتمل.
فلا تجعلوا من صبره ذريعة لاستنزافه، ولا من صموده مبررًا لزيادة الأعباء عليه.
آن الأوان لأن تتذكر الدولة أن المواطن ليس مجرد رقم في جداول الضرائب والرسوم.
إنه الإنسان الذي تقوم الدولة من أجله أصلًا.
وإذا كانت الدولة قد عجزت عن تأمين حق المواطن في الخدمات، فعليها على الأقل ألا تعاقبه عندما يحاول، من ماله الخاص، أن يؤمّن لنفسه ما عجزت هي عن تأمينه.
كفى تحميلًا للمواطن.
كفى جبايةً على حساب الناس.
وكفى تحويلًا لفشل الدولة إلى فاتورة يدفعها المواطن كل يوم.
فالناس لم تعد تطلب رفاهية…
إنها تطلب فقط أن تُترك لها مساحة كي تعيش.
