كتب محمد غزالة رئيس تحرير شبكة الزهراني الإخبارية
في عالم الإعلام والسياسة في لبنان، تحولت “المصادر” إلى أشبه بأشباح تملك الحقيقة وتخفيها في آنٍ واحد. وفي قضية حضور نائب المدير العام لأمن الدولة العميد مرشد سليمان الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد السيدين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، تجلت أزمة “المصادر الوهمية” في أبهى فصولها، حيث وقعت وسائل إعلام ومنصات في فخ التناقض بين التأكيد والنفي لصدور تعميم رئاسي يمنع القادة الأمنيين من المشاركة.
وجاء حضور العميد سليمان صاخباً ومدوياً، ليضع تلك المصادر ومن يقف خلفها في دوامة من التخبط، ويثبت بالوجه الشرعي أن بعض التسريبات لا تتعدى كونها بالونات اختبار سياسية في مرحلة يسودها التوتر والغيوم الملبدة بين القوى السياسية، وتحديداً مع دوائر قصر بعبدا التي نُسب إليها التعميم.
وفي ذروة الجدل والسجال المثار حول هذه الخطوة، حسم العميد مرشد سليمان موقفه بوضوح تام، ناشراً تعليقاً مقتضباً يحمل دلالات عميقة قال فيه: “لما الشخص منّا بيشلح تيابو بيعرى. هيك ربينا وهيك نحنا وهيك منموت”؛ وهي الجملة التي شكلت ردًا حازمًا على كل محاولات الترهيب الإداري والتسريبات المتناقضة.
متى تصبح المصادر صادقة وواضحة؟
إن غياب التعميم الخطي والواضح سمح للعميد سليمان بالحضور، متسلحاً بالقوانين المسلكية التي لا تأخذ بالإشارات الشفهية، ومستنداً إلى واقع التوازنات السياسية التي تحكم عمل الضباط والأجهزة الأمنية في لبنان. وبناءً على هذا المشهد المربك، يطرح الرأي العام سؤالاً جوهرياً: متى يجب أن تصبح هذه المصادر صادقة وعلنية بدلاً من الاختباء خلف قناع “الوهمية”؟
يجب أن تخرج المصادر إلى العلن وتكف عن كونها أداة للتضليل في ثلاث حالات رئيسية:
-
- عند ملامسة القضايا المسلكية والقانونية: الأجهزة الأمنية والعسكرية تخضع لتراتبية وقوانين صارمة؛ والحديث عن تعاميم بمنع أو سماح لا يجوز أن يُترك للاجتهادات الصحفية أو التسريبات المجهولة، بل يجب أن يصدر ببيانات رسمية واضحة وموقعة لقطع دابر الشائعات.
- عندما يتحول “المصدر” إلى طرف في التجاذب السياسي: إن استخدام صيغة “المصادر” لتصفية الحسابات السياسية أو لتوجيه رسائل مبطنة بين المقار الرسمية يضرب صدقية الإعلام، ويجعل من يسرب الأخبار هو الخاسر الأكبر عند أول ممارسة عملية تكذب ادعاءاته.
- عند رصد واقع التوازنات الوطنية: إن الواقع اللبناني بتعقيداته الطائفية والسياسية يتطلب مسؤولية وطنية عالية من دائر القرار، والتهرب من اتخاذ المواقف بوضوح ورميها في كواليس “التسريبات” يعمق الشرخ الداخلي ويهز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.
إن الرابح الأكبر في هذا الملف كان العميد سليمان الذي تصرف وفق قناعاته وبما يمليه غياب النص الخطي، بينما سقطت “المصادر المشبوهة” في فخ الكذب الإعلامي. ويبقى الدرس الأساسي لوسائل الإعلام والجمهور على حد سواء: لا قيمة لخبر لا يحمل توقيعاً واضحاً، والصدق لا يبدأ من الغرف المغلقة، بل من الجرأة في اتخاذ الموقف علناً أمام الرأي العام.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
