راتب لا يكفي للوصول إلى العمل… كيف يعيش اللبناني بين نار البنزين وغلاء الإيجارات؟ – زهراء سويد
لم يعد السؤال الذي يطرحه المواطن اللبناني في نهاية الشهر: «ماذا سأشتري؟»، بل أصبح أكثر قسوة: هل سيبقى من راتبي ما يكفي لأصل إلى عملي وأعود إلى منزلي؟
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
في لبنان، لم تعد أزمة المعيشة مرتبطة بارتفاع سعر سلعة واحدة، بل تحولت إلى منظومة متكاملة من الضغوط اليومية: محروقات ترتفع، مواد غذائية تزداد كلفتها، إيجارات تثقل كاهل المستأجرين، وفواتير وخدمات ونفقات أساسية تتسابق على ما تبقى من راتب المواطن.
وتُظهر أحدث بيانات إدارة الإحصاء المركزي أن مؤشر أسعار الاستهلاك ارتفع بنسبة 16.66% في آب 2026 مقارنة بآب 2025، فيما سجلت الأسعار ارتفاعاً شهرياً إضافياً بنسبة 1.40%.
البنزين أول الطريق… وليس آخره
حين يرتفع سعر البنزين، لا يرتفع فقط المبلغ الذي يدفعه صاحب السيارة أمام محطة الوقود.
ارتفاع المحروقات يعني عملياً ارتفاع كلفة التنقل، والنقل العام، ونقل البضائع، وتوزيع المواد الغذائية، والخدمات التي تعتمد على التنقل. وفي لبنان، حيث يعتمد عدد كبير من الموظفين على سياراتهم أو وسائل نقل خاصة للوصول إلى أعمالهم، يصبح البنزين جزءاً أساسياً من «كلفة العمل» نفسها.
وفي 22 أيلول، بلغ سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان 2,834,000 ليرة، فيما بلغ سعر البنزين 98 أوكتان 2,852,000 ليرة.
وهنا تبرز المفارقة الأكثر إيلاماً:
ماذا يفعل الموظف إذا كان راتبه الشهري لا يكفي أصلاً لتأمين وقود الشهر؟
هل يتوقف عن العمل؟
هل يطلب من صاحب العمل زيادة راتبه؟
هل يختصر أيام حضوره؟
أم يدفع من راتبه ما يقارب نصف ما يتقاضاه فقط ليتمكن من الوصول إلى مصدر رزقه؟
منزل بلا إيجار… أم راتب بلا قيمة؟
أما من يستأجر منزلاً، فالمعادلة تصبح أكثر صعوبة.
فالراتب الذي يجب أن يغطي الإيجار، والكهرباء، والمياه، والطعام، والدواء، والتعليم، والتنقل، والاتصالات، وغيرها من الاحتياجات، بات موزعاً بين التزامات كثيرة لا يمكن تأجيل معظمها.
وفي المقابل، حتى من يملك منزلاً ليس بمنأى عن الأزمة. فامتلاك المنزل لا يلغي كلفة الكهرباء والصيانة والمياه والاشتراكات والنقل والطعام، ولا يلغي أثر ارتفاع أسعار معظم الخدمات والسلع.
وبذلك أصبح المواطن أمام خيارين صعبين:
من يملك منزلاً يواجه ارتفاع كلفة الحياة، ومن لا يملك منزلاً يواجه كلفة الحياة مضافاً إليها الإيجار.
المائدة اللبنانية تحت الضغط
ولا تتوقف الأزمة عند المحروقات والسكن.
الغذاء نفسه أصبح بنداً ثقيلاً في ميزانية الأسرة. وتشير المعطيات إلى أن تضخم أسعار الغذاء في لبنان بقي مرتفعاً، مع تسجيل أسعار بعض السلع الأساسية مستويات أعلى بكثير من العام السابق، واستمرار الضغوط على الأسر ذات الدخل المحدود نتيجة ارتفاع الأسعار وضعف المداخيل.
وهكذا، تتحول رحلة المواطن إلى السوبرماركت إلى عملية حسابية يومية:
هل أشتري اللحوم أم أكتفي بالمواد الأساسية؟
هل أشتري حاجات المنزل كاملة أم أقسّمها على أسابيع؟
هل أدفع فاتورة النقل أم أؤجل شراء بعض مستلزمات البيت؟
لم يعد ارتفاع الأسعار يعني فقط أن المواطن يدفع أكثر، بل يعني في كثير من الأحيان أنه يشتري أقل.
راتب ثابت أمام أسعار متحركة
المشكلة الأكثر وضوحاً تكمن في الفارق بين الدخل وكلفة الحياة.
فحين ترتفع الأسعار بوتيرة أسرع من قدرة الأجور على اللحاق بها، لا يحتاج المواطن إلى قراءة التقارير الاقتصادية كي يشعر بالتضخم. يكفي أن يملأ خزان سيارته، أو يشتري حاجيات منزله، أو يدفع إيجاره.
وتواجه البلاد ضغوطاً اقتصادية كبيرة، مع استمرار ارتفاع كلفة المعيشة وتكاليف الطاقة والنقل، إلى جانب الظروف الاقتصادية التي أثرت في النشاط الاقتصادي وقدرة الأسر على الإنفاق.
وهذا يعني أن المشكلة ليست مجرد «غلاء مؤقت» يشعر به المواطن في متجر أو محطة وقود، بل ضغط اقتصادي أوسع يطال القدرة الشرائية وفرص العمل والاستهلاك.
المواطن يعمل… لكي يدفع كلفة عمله
المشهد الأكثر عبثية أن بعض اللبنانيين أصبحوا يعملون لساعات طويلة، ثم يجدون أنفسهم في نهاية الشهر أمام سؤال بسيط:
كم بقي من الراتب بعد كلفة الوصول إلى العمل؟
فالموظف الذي يحتاج إلى سيارة يومياً يدفع للبنزين.
ومن يستخدم النقل العام يدفع أجور النقل التي تتأثر بدورها بكلفة المحروقات.
ومن يعمل بعيداً عن منزله يدفع ثمناً إضافياً للوقت والتنقل.
ومن يسكن بالإيجار يدفع جزءاً كبيراً من دخله للسكن.
وهكذا يصبح الوصول إلى مكان العمل بحد ذاته عبئاً اقتصادياً.
عندما يصبح الادخار ترفاً
في ظروف كهذه، تتراجع قدرة الأسر على الادخار أو مواجهة الطوارئ.
عطل مفاجئ في السيارة، فاتورة طبية، حاجة مدرسية، أو إصلاح في المنزل قد يتحول إلى أزمة حقيقية.
فمن يعيش على راتب بالكاد يغطي الضروريات لا يملك هامشاً مالياً كبيراً لمواجهة المفاجآت.
وهنا تتسع الفجوة بين من يملك مصادر دخل متعددة ومن يعتمد على راتب واحد.
لبنان أمام معادلة صعبة
ارتفاع أسعار الوقود يرفع كلفة النقل.
ارتفاع كلفة النقل ينعكس على حركة الناس والبضائع.
ارتفاع كلفة النقل والطاقة يضغط على كلفة الإنتاج والتوزيع.
ومع ارتفاع كلفة السلع والخدمات، تتراجع القدرة الشرائية للمواطن.
وفي نهاية السلسلة يقف الموظف أمام راتبه، محاولاً تقسيمه بين الإيجار والطعام والتنقل والفواتير.
لكن السؤال يبقى:
إذا كان الراتب لا يكفي لتأمين الأساسيات، فكيف يمكن للمواطن أن يعيش، لا أن يعمل فقط؟
المطلوب اليوم لا يقتصر على معالجة سعر سلعة بعينها، بل على مقاربة أوسع تتعلق بالأجور، والنقل، والسكن، وأسعار الغذاء، والحماية الاجتماعية، وقدرة الأسر على مواجهة الارتفاع المستمر في كلفة المعيشة.
لأن المواطن اللبناني لا يطلب رفاهية زائدة.
هو يريد ببساطة أن يعمل، ويعود إلى منزله، ويؤمّن طعام أسرته، ويدفع إيجاره وفواتيره، ويبقى لديه ما يكفي ليكمل الشهر.
أما أن يصبح الراتب غير كافٍ حتى لشراء البنزين الذي يحتاجه الموظف للوصول إلى عمله، فهذه ليست أزمة رفاهية… بل أزمة قدرة على الاستمرار.
