موازنة 2027… عندما تصبح جيبة المواطن الحل الأسهل – بقلم: آية يوسف المسلماني
لم تعد الأزمة في لبنان أزمة أرقام، ولا موازنة تُقفل بعجز أو من دونه، بل أزمة دولة تبحث في جيوب مواطنيها عن حلول لم تجدها بعد في إصلاح إدارتها وضبط هدرها وتحصيل أموالها.
فموازنة 2027 بما تحمله من أرقام ورسوم وإيرادات متوقعة، لا تأتي في بلد يعيش مواطنوه ظروفاً اقتصادية طبيعية ولا في مجتمع ما زالت مداخيله قادرة على امتصاص المزيد من الأعباء.
إنها تأتي بعد سنوات استُنزفت خلالها القدرة الشرائية وتضاعفت كلفة الحياة، فيما بقي الدخل عاجزاً عن اللحاق بأبسط متطلبات العيش.
هنا تحديداً تصبح المسألة أخطر من مجرد نقاش مالي.
فالدولة تستطيع أن ترفع إيراداتها على الورق، وأن تعدّل رسماً هنا وتحسّن جباية هناك، لكن كل رقم يُضاف إلى الخزينة له مصدر، وفي جزء كبير من هذه الموازنة يبقى هذا المصدر هو المواطن نفسه، مباشرة أو عبر ما يدفعه ثمناً للسلع والخدمات.
المشكلة ليست في أن تجبي الدولة حقوقها، فهذا أمر بديهي في أي دولة تريد أن تستعيد مؤسساتها.
المشكلة في أن تصبح الجباية من الملتزم أسهل من ملاحقة المتهرب، ورفع الإيرادات أسرع من إقفال مزاريب الهدر والتهريب، وتحميل الناس كلفة إضافية أبسط من إصلاح الخلل الذي أوصل المالية العامة إلى ما هي عليه.
نحو 615 تريليون ليرة من الإيرادات والنفقات، وعجز مقدّر بصفر.
لكن العجز الصفري في حسابات الدولة لا يعني الكثير لموظف يعجز راتبه عن الوصول به إلى نهاية الشهر، ولا لمتقاعد أمضى عمره في الخدمة ثم أصبح معاشه عاجزاً عن تأمين احتياجاته، ولا لعائلة باتت تعيد ترتيب أولوياتها بين الطبابة والتعليم والغذاء والكهرباء.
فاللبناني لم يعد يناقش مستوى رفاهيته.
المسألة أصبحت في مكان آخر تماماً، في قدرته على الحفاظ على مستوى مقبول من الحياة.
وهنا لا تعود الضرائب غير المباشرة مجرد بند مالي.
فهي تدخل في الأسعار وتصل إلى الجميع، لكن أثرها ليس واحداً على الجميع.
ما يمكن أن يكون زيادة محدودة بالنسبة إلى صاحب دخل مرتفع، قد يكون عبئاً حقيقياً على موظف أو متقاعد أو عائلة بالكاد تغطي مصاريفها الأساسية.
في المقابل لا يزال المواطن يدفع من جيبه ثمن خدمات كان يفترض أن تؤمّنها له الدولة أو على الأقل أن تضمن حصوله عليها بكلفة معقولة.
يدفع للكهرباء وبدائلها كما يدفع للطبابة والتعليم والنقل، ثم يعود ليتحمّل ما تفرضه المالية العامة من رسوم وضرائب.
وهنا يصبح من المشروع أن يقال للمسؤولين بوضوح لا يمكن بناء مالية الدولة على استنزاف مالية الناس.
إذا كانت موازنة 2027 تتجه فعلاً إلى تحسين الامتثال الضريبي وتوسيع قاعدة المكلفين، فهذا هو الباب الذي يجب أن يُفتح على مصراعيه.
المطلوب أن يدفع من لا يدفع، وأن يُلاحق التهرب، ويُضبط التهريب، وتُحصّل حقوق الخزينة، قبل التفكير في أي عبء يصل مجدداً إلى من يدفع أصلاً.
فالعدالة الضريبية لا تعني أن تجمع الدولة المال فقط، بل أن تعرف ممن تجمعه وكيف، ومن يتحمّل العبء الأكبر في النهاية.
وما تشهده البلاد من تحركات لموظفي القطاع العام والعسكريين المتقاعدين لا يجوز التعامل معه كضغط مطلبي منفصل عن المشهد الاقتصادي العام.
هذه التحركات تقول شيئاً أبسط وأخطر، أن هناك شرائح واسعة لم تعد مداخيلها تتناسب مع الحد الأدنى المطلوب للعيش.
وهنا على الدولة أن تنتبه.
فالضغط المعيشي لا يبقى اقتصادياً إلى الأبد.
عندما تتراكم الأعباء وتتراجع القدرة على تأمين الأساسيات، ويشعر المواطن بأن المطلوب منه دائماً أن يدفع ثمن الأزمات من دون أن يرى تغييراً حقيقياً في الإدارة أو الخدمات، يتحول الضيق إلى غضب، والغضب الاجتماعي إذا اتسعت دائرته لا يمكن ضبط مساره بقرار.
الشارع لا ينفجر بسبب رسم واحد، ولا بسبب مادة واحدة في موازنة.
إنه ينفجر عندما تتراكم الأسباب الصغيرة حتى تصبح حياة الناس نفسها أكبر من قدرتهم على حملها.
ولهذا فإن مسؤولية الحكومة اليوم لا تقتصر على إنتاج موازنة متوازنة حسابياً، بل على قراءة ما وراء الأرقام.
فهناك فارق كبير بين موازنة تستطيع الدولة تنفيذها وموازنة يستطيع المجتمع تحمّلها.
لبنان يحتاج إلى إيرادات… نعم، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى دولة تستعيد ما لها قبل أن تطلب المزيد ممن لم يعد لديه الكثير.
المواطن ليس الحل الأسهل لكل عجز، وجيبته ليست مورداً بلا حدود.
وإذا كان المسؤولون يبحثون اليوم عن كيفية تأمين إيرادات موازنة 2027، فعليهم ألّا يغفلوا حقيقة باتت أكثر وضوحاً من كل الأرقام، وهي أن الناس دفعت الكثير وخسرت الكثير وتحمّلت الكثير.
والخطر لم يعد في أن تفرغ جيوبها فقط، بل في أن يمتلئ الشارع بالغضب.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
