في هذا المشهد ما يثير الخوف على المصير أكثر ممّا يثيره على العقارات. مساحات واسعة تُباع، وقيادات تستنفر بعد البيع، وأموال تُنفق بسخاء على صناعة الصورة، ثمّ يُطلب من الناس تصديق أنّ الأرض عزيزة، والصراخ هو المتاح الوحيد لحماية الوجود.
لماذا الآن؟ ما الذي استجدّ في بيوعات مضى على بعضها أكثر من ستة عشر عاماً؟ أين كنتم حين حصلت؟ وماذا فعلتم منذ ذلك الحين؟ هل الغاية الحفاظ على ما تبقّى، أم استخراج جولة تحريض جديدة من عقود قديمة؟
والكلام، أولاً، عن المساحات الواسعة في المتن وبعبدات وسواهما، حتى داخل الرقعة التي يتخيّلها بعضكم ملاذاً مسيحياً صافياً. عن هذه الأراضي نسأل، قبل الوصول إلى مواطن باع منزلاً أو عائلة تصرّفت بإرثها.
أين المتموّلون المسيحيون الذين لا تضيق إمكاناتهم حين يتعلّق الأمر بصورة ومقابلة واحتفال؟ إذا كانت هذه الأراضي قضية وجود، فلماذا لا يشترونها؟ لماذا لا يؤسّسون صناديق تشتري وتحفظ وتستثمر؟
أم أنّ شراء مساحة في الإعلام أكثر إغراءً من شراء مساحة على الأرض؟ .
وأين الكنيسة والبطريركية والرهبانيات؟ إذا كانت الأموال متوافرة، فما الذي يمنع المبادرة؟ وإذا لم تكفِ، فللكنائس امتداد في العالم، وأبرشيات ورعايا ومؤسسات ومغتربون. أليست حماية الوجود المسيحي المشرقي جديرة بحملة تبرّعات منظّمة، بأهداف واضحة وحسابات معلنة؟
كم سمعنا الكلام على مسيحيي الشرق! فليصبح هذا الكلام صندوقاً يشتري، ومؤسسة تدير، ومشروعاً يؤمّن السكن والعمل. وليتجاوز منع البيع إلى محاولة للشراء… أم يجب أن تبقى مفقودة كي تبقى صالحة للبكاء عليها؟
من يعتبر الأرض قضية وجود يتحرّك قبل البيع وبعده، ويضع ماله حيث يضع صوته. لكنّ الصوت، على ما يبدو، أقلّ كلفة.
ولهذا يصعب تصديق أنّ المشكلة كلّها في المشتري الشيعي. قبله هناك مالك قرّر البيع، ووسطاء وسماسرة قبضوا عمولات، ومتمولون مسيحيون لم يقدموا على الشراء، فلماذا تختصرون الحكاية بطائفة الاسم الأخير؟
من يريد منافسة مشترٍ فليقدّم عرضاً. ومن يريد مساعدة بائع فليقدّم بديلاً. أمّا ترك الصفقة تتمّ، ثمّ استثمارها في تخويف الناس، فتجارة سياسية.
بعد ذلك تأتي العائلات والأفراد. وهنا أيضاً، كفّوا عن تقديم القديم بوصفه اكتشافاً جديداً. بيع عددٍ من عائلات مهجّرة من الجبل والإقليم وشرق صيدا وساحل جزين وسواها لأملاكها، لم يبدأ مع حملة اليوم. إنّه امتداد لجرح قديم، ونزوح طال، وعودة تعثّرت أو افتقدت شروط الحياة.
أين كنتم حين احتاج هؤلاء إلى سقف وعمل ومدرسة؟ ماذا قدّمتم لمن عاشوا في أماكن لم تُبنَ للسكن؟ هل كان عليهم البقاء معلّقين بين بيت خسروه وعودة ينتظرونها، كي لا يُفسدوا عليكم خريطة الانتشار؟
من باع ليؤوي عائلته أو يعلّم أولاده أو يعالج مريضاً، لا يحتاج إلى محاضرة في الوفاء. يحتاج إلى جواب: لماذا تُرك وحده حتى صار البيع خلاصه؟
وأين المؤسسات الكنسية التربوية والجامعية والاستشفائية من تخفيف هذه الأعباء؟ فلا يجوز أن يكون صمود الفقير واجباً، ومساهمة القادر تفضّلاً.
واليوم مع تجدد طروحات الفيدرالية والتقسيم، ومعها لازمة “ما بتشبهونا” ليصبح السؤال أكثر إيلاماً: ماذا تقولون للمسيحي خارج الكانتون الموعود؟
حين تُختصر الحماية بالمساحة “من كفرشيما إلى المدفون” أين تضعون أبناء الجنوب والجبل والبقاع وعكّار؟ والكلام يوجه تحديداً على من يقدّم الفيدرالية خلاصاً طائفياً، أو يجاهر بالتقسيم، ويصوّر العيش مع الآخرين خطأ ينبغي تصحيحه.
كيف تلومون المسيحي إن سارع إلى بيع أرضه خارج الكانتون، وأنتم تقنعونه بأنّ مستقبله داخله؟
تسحبون الأمان من أرضه قبل توقيعه عقد البيع. تقولون له إنّ الشراكة مستحيلة والخلاص بالانفصال، ثمّ تستنكرون بحثه عن مشترٍ!
والأشدّ مرارة أنّكم تفعلون ذلك بعد كلّ ما عايشه الناس.
من تهجير، إلى الحروب داخل المناطق المسيحية، ليست الذاكرة صفحة بيضاء. مسؤولية مَن هجّر وقتل ثابتة، لكنها لا تمنح القيادات المسيحية براءة من قراراتها ورهاناتها.
الانتفاضات وحرب الإلغاء ليست إشاعات. البيوت التي دمّرها الاقتتال المسيحي لم يدمّرها مشترٍ شيعي. هناك صراع على السلطة دفع المجتمع ثمنه من أمنه وأرزاقه وحياته.
ثمّ هاجر الناس وكبر أبناؤهم بعيداً. ماذا فعلتم لتبقى صلتهم بلبنان حيّة؟ أين مشاريع اللغة والعمل والعودة، فوق طلب التبرّع والتصويت؟ تريدون منهم الاحتفاظ بأرض لا يعرفون طريقها، ولم تبنوا لهم طريقاً إلى وطنهم.
ومع ذلك، لا تزال الرهانات الخارجية تُقدَّم كأنّها اكتشاف عبقري.
من إسرائيل إلى عراق صدّام حسين، واليوم الى اسرائيل وأميركا، اختلف الرعاة باختلاف القيادات، وبقي الوهم نفسه: أنّ الخارج سيمنحكم الغلبة، ويتكفّل بحمايتكم من نتائج رهاناتكم.
ألم تكفكم تجربة بعض القيادات مع عراق صدّام وحرب الكويت؟ وانسحاب إسرائيل عام 2000 وانهيار جيش لبنان الجنوبي؟ ألم تشاهدوا أفغانستان وحلفاء الأميركيين يبحثون عن مخرج؟ ألم تتابعوا كيف يُعامَل زيلينسكي؟
ما الذي يجعلكم واثقين بأنّكم الاستثناء؟ من ضمن لكم أنّ مَن تشدّون زنودكم به اليوم لن يترككم غداً؟ أم ستشربون مجدّداً “حليب السباع” من مزارع الآخرين، وتتركون الناس يدفعون ثمن البطولة؟
ليس المطلوب الخضوع أو التنازل عن حقّ. المطلوب وقف هذا الاستعداد لتحويل المجتمع إلى حقل تجارب، والكفّ عن سوقه إلى الانتحار السياسي باسم حماية وجوده.
من يملك منكم مشروعاً فيه أرض وسكن وتعليم وعمل وأمان ودولة؟ أو شيئاً يتجاوز المزايدة وانتظار انقلاب موازين الخارج؟
لقد تعب الناس من زعامات تشيخ ولا تنضج، ومن مراهقين يظنّون أنّ التاريخ يبدأ عند أوّل ظهور لهم على شاشة.
تريدون حماية المساحات الكبيرة؟ اشتروا، واجمعوا التبرّعات، وحاولوا إعادة شراء ما يمكن شراؤه. تريدون بقاء العائلات؟ خفّفوا عنها كلفة البقاء. تريدون ألّا تبيع الناس خارج كانتونكم؟ كفّوا عن إقناعها بأنّ لا مستقبل لها خارجه.
أمّا أن تحتفظوا بأموالكم، وتطالبوا الفقير بالاحتفاظ بأرضه، وترسموا حدوداً تستبعده، ثمّ تتّهموه بالتفريط بالوجود، فهذه وقاحة تحتاج إلى أن تُسمّى باسمها.
فالمسيحيون ليسوا عقارات في دفاتر زعاماتكم، ولا وقوداً لرهاناتكم ولا وقوداً لرهاناتكم المقبلة.
كفّوا عن الاستثمار في خوفهم، واستثمروا لمرّة في بقائهم.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
