في الجلسة السابقة انسحاب، وفي جلسة اليوم غياب.
يبدو أنّ وزراء “القوات الحالية” قرّروا اختصار الطريق: لماذا يتكبّدون عناء الحضور ما دام الإنجاز الموعود هو المغادرة؟ هكذا يصبح الهروب موقفاً، والاعتكاف بطولة، والكرسي الفارغ شاهداً على “صلابة” صاحبه!
والمشوّق في الموقف، أنّهم يفعلون ذلك لحمل الحكومة على تحمّل مسؤولياتها… كأنّهم ضيوف عليها، لا وزراء يشاركون في قراراتها… المهم أن يحتفظوا بالحقائب ويتخفّفوا من أعبائها… لتراهم لا يترددون في الوقوف عند الباب لإلقاء المحاضرات على الموجودين والسامعين….
فعنوان المرحلة وشعارها: “وزارة بكامل امتيازاتها، ومعارضة بكامل مكبّرات صوتها… أمّا المسؤولية، “فيُرجى مراجعة الزملاء…”.
يقولون إنّ ملف متفجّرات ضهر البيدر يستدعي المواجهة. حسناً، فأين تكون المواجهة إن لم تكن داخل مجلس الوزراء، أليس بالنقاش والمطالبة والمساءلة؟ وكيف تُحمَّل الحكومة مسؤولياتها بإخلاء مقاعد المشاركة في القرار؟ “يا موسّع الساحات”، أتضيق بكم قاعة اجتماع؟ سيفكم “ما انسحب” في النشيد، أمّا في الحكومة فلا يصمد أمام جدول أعمال!
وليت المسافة بين بطولة النشيد وممارسة الانسحاب تُقاس بجلسة حكومية فقط. فلهذه المدرسة ذاكرة أثقل من بياناتها: من مأساة الجبل عام ١٩٨٣ حين كرّ الانسحاب من بحمدون و٦٦ بلدة وصولاً إلى إجلاء المقاتلين من دير القمر، ثم انسحابات شرق صيدا وساحل جزين وإقليم الخروب عام ١٩٨٥… قرى أُفرغت وبيوت هُجرت وعائلات دفعت ثمن الحروب وخيارات قياداتها… وإن تعدّدت أطراف المأساة ومسؤولياتها، لكنّ ذلك لا يمنح من رفعوا راية الحماية إعفاءً من السؤال: ماذا بقي للناس من وعودكم حين انتهت المعارك بانسحاباتكم؟ الناس خسرت بيوتها ومن أرواحها، فيما بقيت للقيادات منابر تشرح منها فضائل قراراتها…
صحيح أنه لا يجوز أن تتساوى مغادرة جلسة بمأساة تهجير، لكنّ من يحمل هذا الإرث يُفترض أن يكون أشدّ حذراً في تسويق الانسحاب بوصفه شجاعة. فالناس لا ينقصهم بيان بليغ عن أسباب المغادرة، بل تنقصهم نتيجة واحدة تستحقّ البقاء.
والبقاء هذه المرّة مطلوب لمناقشة النفايات: ملف يؤكّدون أهميته في البيان، ثم يستكثرون عليه جلسة في الممارسة. كأنّ صحة الناس ومياههم وهواءهم بندٌ يمكن تأجيله إلى أن يلائم جدول الاستثمار السياسي وموسمه. وللمفارقة، فإن هذا الملف يحمل ذاكرة محرجة: تقارير صحافية وثّقت ورود أسماء عناصر من ميليشيا “القوات الحالية” ضمن المشتبه بتورّطهم في استيراد النفايات السامة أواخر الثمانينات، ووثّقت وصول تلك السموم إلى كسروان، ومنها شننعير البلدة الضحية الشاهدة…
فتاريخ كهذا أقله يجعل حضور جلسة بيئية واجباً مضاعفاً. لكن على ما يبدو أنّ الذاكرة البيئية أيضاً مشمولة بقرار الاعتكاف.
ومن النفايات إلى الكهرباء، تكتمل الصورة مع اعتكاف الوزير جو صدي عن حضور جلسات الحكومة، مع تأكيده الاستمرار في مسؤولياته الوزارية. فالوزير يتمسك بالحقيبة، ويقاطع طاولة اتخاذ القرار بشأنها!… وفيما المواطن ينتظر زيادة ساعات التغذية، لا يحصل إلاّ على زيادة ساعات الغياب… تتراجع الكهرباء ويرتفع منسوب الشرح والتنظير… ووحده التيّار الكلامي مؤمّن بلا تقنين ولا عدّاد…
وإذا كان هذا هو النموذج لحماية الوجود الذي يُعرض على المسيحيين، فبأيّ طمأنينة يُطلب منهم الاتكال عليه؟ أوليست التجربة تعطيهم الحق في أن يسألوا عمّا يضمن ألّا تتحوّل حتى المساحة بين كفرشيما والمدفون، في منطق هذه السياسة، إلى محطة انتظار لبيان انسحاب جديد؟…والاستشراف هنا لا يحتاج إلى موهبة خارقة، إذ يكفي أن تراقب اتّجاه الأقدام حين ترتفع نبرة الخطب… إنسحاب بعده إنسحاب، وما بعد بعده إنسحاب… ومؤسف أن يعاد…ومخيف أن يبقى من يثق حدّ “الإيمان”…
فاتّقوا الله في الناس. وكفّوا عن الاستثمار في عواطفهم وفي قلّة معرفتهم بحقيقة أدائكم. كفّوا عن التمثيل عليهم، وإن عجزتم عن حمايتهم، فلا تطلبوا منهم أن يحموا صورتكم.
فالوجود لا تحميه حناجر الحاضرين أمام الكاميرات والغائبين الهاربين عند المسؤولية.
ليس مطلوباً من الوزير أن يربح كلّ مواجهة، إنما المطلوب أن يخوضها، وأن يُحاسَب على نتيجتها. أمّا تحويل العجز إلى فضيلة، والانسحاب إلى بطولة، ثم مطالبة الناس بالتصفيق، فهذه حرفة أخرى تماماً.
يحترفون التمثيل على الناس، ويتعثّرون كلّما طُلب منهم تمثيلهم. وعند ساعة المواجهة، يعرفون موقع الباب أكثر ممّا يعرفون موقع المسؤولية. والخشية أن يدفع المسيحيون ثمن هذا الأداء مرّة أخرى: يخرج ممثّلوهم من الجلسات، ويجدون هم أنفسهم مدفوعين إلى الخروج من الوطن. عندها، ستبقى للقيادات حقائبها الوزارية، وللناس لا آخر، إلاّ حقائب السفر
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
