بين أعباء الحياة اليومية وأصوات الانفجارات في لبنان، وجدت الروائية نسرين البدوي في الكتابة مساحة للتعبير عن أفكارها ومواقفها، ومواصلة مشروعها الأدبي رغم التحديات. ومن خلال روايتها ” هنا لم يمت أحد”، استطاعت أن تصل إلى منصة التتويج، بعد فوزها بجائزة الرواية العربية التي أطلقتها مؤسسة الخُلُق العظيم للدراسات الأخلاقية التابعة للعتبة الحسينية المقدسة، في تجربة تؤكد أن الإبداع قادر على مواصلة طريقه حتى في أصعب الظروف.
لم تكن رحلة الروائية اللبنانية نسرين البدوي نحو الفوز بجائزة الرواية العربية سهلة؛ فقد تزامنت كتابة روايتها “هنا لم يمت أحد” مع ظروف الحرب، ومسؤوليات المنزل وتربية الأطفال، لكنها تمسكت بشغفها الأدبي، واختارت ساعات الليل المتأخرة للكتابة، فيما كانت أصوات الانفجارات تحيط بها.
وتقول البدوي إن البيئة التي نشأت فيها أسهمت في تنمية موهبتها الأدبية، إذ كانت المطالعة والأدب حاضرين في محيط عائلتها، التي امتلك بعض أفرادها مواهب شعرية وأدبية. وقد انعكس هذا المناخ على اهتمامها بالكتابة، فواصلت رحلتها الأدبية حتى بعد الزواج والإنجاب، ولم تتخلَّ عن شغفها رغم تعدد مسؤولياتها.
وتضيف أنها عملت معلمة، ثم درست الأدب العربي بعد الزواج، في وقت كانت فيه مسؤوليات المنزل والأطفال تستحوذ على معظم وقتها، لكنها حرصت على الاستمرار في الكتابة كلما سنحت لها الفرصة.
وتوضح البدوي أن “هنا لم يمت أحد” ليست محاولتها الروائية الأولى، فقد سبق أن كتبت رواية لم تنشرها، فيما تمثل الرواية الفائزة تجربتها الروائية الثانية. وكانت تعمل على إنجازها عندما صادفت إعلان المشاركة في جائزة الرواية العربية، فأكملت كتابتها وقدمتها للمسابقة.
ولم تقتصر تجربتها على الرواية، إذ كتبت الشعر والقصة القصيرة، وشاركت في مسابقات أدبية، من بينها مسابقة سليماني الدولية، التي حققت فيها المركز العاشر في مشاركتها الأولى، ثم المركز الخامس في مشاركة لاحقة، كما شاركت قصصها ضمن إصدارات جماعية ضمت أعمال عدد من الكتاب.
الكتابة ابنة الواقع
وعن الدوافع التي قادتها إلى كتابة روايتها الفائزة، تشير البدوي إلى أن الكاتب ينبغي أن يستلهم موضوعاته مما يدور حوله، وأن يعبر عن الواقع الذي يعيشه، ولا سيما في الظروف الاستثنائية التي تمر بها المجتمعات.
وتقول إن الأوضاع الصعبة التي شهدها لبنان، وما رافقها من أحداث وتطورات مؤلمة، دفعتها إلى الاقتراب من القضايا التي تمس الإنسان وواقعه، مشيرة إلى أن الأحداث المرتبطة باستشهاد السيد حسن نصر الله كانت من بين الموضوعات التي رغبت في تناولها أدبياً، في محاولة للتعبير عن مرحلة صعبة عاشها المجتمع اللبناني.
وترى أن الكتابة لا تقتصر على إثبات القدرة الأدبية أو السعي إلى الشهرة، بل تمثل وسيلة لإيصال الأفكار والقيم إلى الآخرين، وتوثيق التجارب الإنسانية التي قد تجد صداها لدى القراء.
الفوز.. فرحة وحافز للاستمرار
وعن مشاركتها في جائزة الرواية العربية، التي أطلقتها مؤسسة الخُلُق العظيم للدراسات الأخلاقية التابعة للعتبة الحسينية المقدسة، تؤكد البدوي أن الفوز كان لحظة استثنائية في مسيرتها الأدبية، لافتة إلى أنها كانت تأمل في تحقيق نتيجة إيجابية، خصوصاً أن لجنة التحكيم ضمت أدباء ومختصين من عدد من الدول العربية يمتلكون خبرة في تقييم الأعمال الروائية.
وتستذكر لحظة تلقيها خبر الفوز، مبينة أن إحدى صديقاتها، وهي كاتبة، اتصلت بها وأبلغتها بالنتيجة، فلم تتمالك دموعها من شدة الفرح. ولم تكن سعادتها مرتبطة بالفوز بالجائزة وحده، بل بما أتاحه هذا الإنجاز من فرصة لزيارة العراق والتعرف عن قرب إلى بيئته الثقافية والأدبية.
وتضيف أنها سارعت إلى مشاركة الخبر مع زوجها وإخوتها وأقاربها وأصدقائها، مؤكدة أن هذا التتويج منحها دافعاً إضافياً لمواصلة الكتابة والعمل على تقديم روايات جديدة، فضلاً عن المشاركة في المسابقات الأدبية المقبلة.
جوائز تعزز الأدب الهادف
وتلفت البدوي إلى أن المسابقات الأدبية يمكن أن تشكل حافزاً مهماً للكتاب، إذ تمنحهم فرصة للتعريف بأعمالهم وإيصال أفكارهم إلى جمهور أوسع، فضلاً عن تشجيعهم على تطوير قدراتهم ومواصلة الإنتاج الأدبي.
وتؤكد أن المشاركة في المسابقات لا ينبغي أن تكون محصورة في الرغبة بالفوز أو الشهرة، بل يمكن أن تكون وسيلة لإيصال رسالة أدبية وإنسانية، وترسيخ قيم إيجابية في المجتمع، مشيرة إلى أن الجوائز التي تهتم بالمضامين الأخلاقية والإنسانية تكتسب أهمية خاصة في ظل انتشار أنماط من المحتوى الذي قد يفتقر إلى العمق والقيمة.
وتشيد بمبادرة مؤسسة الخُلُق العظيم للدراسات الأخلاقية التابعة للعتبة الحسينية المقدسة في إطلاق جائزة للرواية العربية، معتبرة أن تخصيص مساحة للأعمال التي تحمل قيماً إنسانية وأخلاقية يشجع الكتاب على استثمار مواهبهم في إنتاج نصوص تترك أثراً إيجابياً في القراء، وتسهم في تقديم نماذج وأفكار يمكن أن تستفيد منها الأجيال الجديدة.
وتدعو الروائية اللبنانية الكتاب إلى المشاركة في المسابقات الأدبية الهادفة، مؤكدة أن الكاتب يمكن أن يكون رابحاً حتى إن لم يحصل على الجائزة، متى استطاع أن يوصل عمله إلى القراء، ويطرح من خلاله فكرة تستحق التأمل، أو قيمة تسهم في تعزيز الوعي المجتمعي.
الموهبة مسؤولية لا ينبغي التفريط بها
وتختم البدوي حديثها بالتأكيد أن الموهبة الأدبية تستحق الرعاية والاستثمار، وأن الإنسان ينبغي ألا يتخلى عن قدراته الإبداعية لمجرد انشغاله بمسؤوليات الحياة أو انعدام الوقت الكافي.
وتوضح أن مسؤولياتها الأسرية لم تمنعها من مواصلة الكتابة، بل جعلتها أكثر حرصاً على استثمار الساعات المتاحة لها، والتمسك بالرغبة التي رافقتها منذ سنوات الدراسة والاهتمام بالأدب.
ولم تكن الكتابة بالنسبة إلى الروائية اللبنانية نسرين البدوي مجرد وسيلة للتعبير عن مشاعرها وتوثيق تجربتها في ظل ظروف الحرب وتحديات الحياة اليومية، بل تحولت أيضاً إلى دافع أعمق يدفعها إلى أن تكون قدوة حسنة لابنها، وأن تقدم له نموذجاً في الإصرار ومواجهة الصعوبات وتحقيق الأهداف.
وتقول البدوي إن كتابة الرواية منحتها دافعاً أكبر لتكون قدوة حسنة لابنها، مؤكدة أنها تحب هذه الفكرة بعمق، وتتطلع إلى أن يراها مثالاً يُحتذى به في الحياة. وتضيف أن ابنها مميز في نظرها، وأن أمنيتها الكبرى أن تراه من الصالحين، وأن تكون مصدر إلهام وفخر له، حتى يأتي اليوم الذي ينظر إليها فيه باعتزاز، ويشعر بالفخر بما حققته وبما تمثله من قيم ومبادئ.
وهكذا، تتجاوز تجربة نسرين البدوي حدود الكتابة والفوز بجائزة أدبية، لتكشف عن علاقة عميقة بين الإبداع والأمومة؛ فهي لا تسعى إلى تحقيق حضور أدبي فحسب، بل تطمح أيضاً إلى أن تترك أثراً طيباً في حياة ابنها، وأن تعلّمه من خلال تجربتها أن التمسك بالشغف ومواصلة السعي، رغم صعوبات الحياة، يمكن أن يصنعا طريقاً نحو النجاح.
وبين ضجيج الحرب وهدوء الليل، وبين مسؤوليات الأسرة وشغف الحرف، تواصل نسرين البدوي رحلتها الأدبية، حاملةً تجربة تؤكد أن الكتابة ليست ترفاً مؤجلاً إلى حين تتهيأ الظروف، بل شغف يمكن أن يجد طريقه وسط التحديات، وأن الجوائز الأدبية، حين تحتفي بالإبداع الهادف، قادرة على منح أصحاب المواهب مساحة أوسع للوصول إلى القراء وصناعة أثر يتجاوز حدود المكان.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
