الإمام الصدر، العيش المشترك ونبذ الطائفية \ د. علي سيّد
إن لبنان بلدٌ يجمع عدة أديان ومذاهب وقد شهد هذا البلد في تاريخه الكثير من المحن والوقائع المرة والعذبة. وهنا أحب أن أذكر في البداية عبارة من كلام للكاردينال “فراس كونيغ” كبير أساقفة النمسا الذي إلتقى الإمام الصدر سنة 1970، حيث قال: “قد سمعت كثيراً عنك وأنا أؤمن بأن تاريخ لبنان ينقسم إلى فترتين فترة ما قبل الإمام الصدر وفترة ما بعد الإمام الصدر” .
فقد آمن الإمام الصدر أن العلاقات الخارجية للدولة اللبنانية لا تكون نافعة إلا بالحصانة الداخلية وكان شعاره”إن سلام لبنان هو أفضل وجوه الحرب مع إسرائيل” كما آمن أن لبنان نموذجاً فذاً وحضارياً في التعايش بين أديانه، وفي تعددها وتنوعها على أرضه “إن لبنان بواقعه البشري، مدعو لأداء دور حضاري في العالم، من خلال مستوى التعايش، ومن خلال دوره في الحوار العربي الأوروبي” .
لذلك، فقد عمل على ترسيخ هذه الظاهرة الفريدة لتكون نموذجاً لجميع شعوب الأرض، حيث ان كل طائفة تحمل مخزوناً كبيراً من الحضارة الإنسانية والتراث الديني. فإعتبر أن لبنان يشكل رسالة و”ضرورة حضارية ودينية وإلهية إلى الشرق والغرب” ، ولو قيض لهذه التجربة النجاح وتعدي حدود الوطن الصغير لكانت خيراً عميماً على البشرية جمعاء ولأزال الفوارق الدينية والإنسانية والإجتماعية بين بني البشر. مقابل ذلك فقد إعتبر الإمام الصدر أن النموذج اللبناني في تعدد الطوائف والمذاهب والتعايش فيما بينها، يشكل التناقض التام للنموذج القومي الإسرائيلي الصهيوني العنصري، كما يشكل تحدياً كبيراً في إستمراريته وتطوره، وخطراً فعلياً على ذلك الكيان .
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
وإنطلاقاً من موقع لبنان في قلب العالم العربي والإسلامي، وأهمية دوره في التعايش الإسلامي المسيحي، وما يشمل من مساحات في الحرية والديمقراطية ضمن نطاقه السياسي والدستوري، تمكن الإمام الصدر من لعب دورٍ كبيرٍ في نشر هذه القيم على المستوى الإسلامي والعربي والدولي. ولقد عمل جاهداً لتكون تلك الأفكار والخواطر حقيقية ملموسة، لذلك لم يتوان أبداً عن العمل الجدي وإرساء مداميكه. والإمام السيد موسى الصدر الذي كان داعية التعايش على أرض لبنان بين الطوائف والأديان، ليكون هذا النموذج في العيش سبيلاً يرتقي في خطه، وشعلة يستضيء بنوره كل تائه عن هذا المسلك الإنساني الحضاري. “إن التعايش الإسلامي المسيحي من أغلى ما في لبنان، وهذه تجربة غنية للإنسانية كلها، وبما أن الخالق واحد، وهذا التراب يطأه الغني والفقير وهذه السماء تظلل المسيحي والمسلم وغيرهم، فلماذا التباعد والتفاجر والجفاء وكل شيء زائل إلا وجه الخالق الكريم” . لذلك كانت أخلاقية الإمام الصدر تنادي بأن الإنسان أخٌ للإنسان، فإن لم يكن أخاً له في الدين فإنه نظير له في الخلق. من ذلك المنطلق عمل الإمام قدر المستطاع على إرساء هذه القواعد، لتكون المدماك الأساسي لبناء الوطن .
ولأن الطائفية العصبية تتقوقع على ذاتها كان الإمام موسى الصدر لا يدع سانحةً إلا ويكون المقدام الأول لضربها والعمل على تمجيد الطوائف المتفاعلة على الخير المتكاتفة على ديمومة الوطن، لقناعته بأن الإنسان إذا نبذه وطنه، فأوطان الكون الأوسع لا تقبله. لذلك حث على الشراكة في العيش، والشراكة في بناء الوطن والشراكة في صون المعتقدات التي يُصان من خلالها الوطن ويبقى يحتضن الجميع. وكان للإمام الصدر صولات وجولات في هذا المضمار، لاقت الإستحسان الأكبر عند جميع الطوائف.
يقول الإمام موسى الصدر في لقاء له في بلدة الدامور بتاريخ 7/8/1970 “إن اللقاء بين الطوائف والأديان في لبنان هو رد الأديان على الإتهامات التي يوجهها لها العالم بأنها ليست عنصر اللقاء، وهذا الرد إختار الله لبنان له ليجيب به على المشككين. إن الأديان كل الأديان تأمر باللقاء والحوار، والإنسان يجب أن يظل في لقاءٍ دائمٍ مع الآخر. واللقاء والحوار هما الوسيلة للتعلم والتقدم، فأساس الوجود قائم على اللقاء. ومن هنا فإن اللقاء حتمي وأمر واقع وواجب. فعلى جميع الطوائف والأديان في لبنان أن تعمق اللقاء فيما بينها لتحافظ على لبنان وعلى رسالاته” .
يقول الإمام الصدر متوجهاً للمسيحيين: ” هم الحوار وأداته ورسله، وهم رسل لخلق الحوار والتكامل بين الإسلام والمسيحية بين الشرق والغرب بين العرب وأوروبا، إنهم أمناء على القدس في قبلتهم، لذلك فرسالتهم هي في وحدة هذا الوطن، وفي لبنان على الجميع أن يقيموا الحوار فيما بينهم، ليتفاهموا وليتحابوا وليعيشوا بسلام وختم : إن لبنان لا يحيا ولا يستمر إلاّ باللقاء وبالحوار بين الجميع وإذا أردنا أن يستمر إلى الأبد فما علينا إلاّ أن نؤمن بالحوار واللقاء ونعمقه فيما بيننا وبين الآخرين” .
وبمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف وفي إحتفال دعت إليه جمعية الشبان المسيحية بتاريخ 17/4/1973 ، والذي لم يخرج فيه عن المألوف في الدعوة إلى التآخي وبناء الوطن على أسس من الإنسانية الحقة والمواطنية الصحيحة ، وشحذ الهمم حيث يقول: (ليس هناك شعب صغير وشعب كبير بل هناك شعب يريد الحياة وشعب لا يريدها).
ومن أقواله الداعية إلى المحبة والتآخي ونبذ الفروقات الطائفية والأديان التي من واجبها أن تذوب في المواطنية: “إن رسالة المسيحيين، أن يكونوا أمة واحدة مع المسلمين العرب وأن يكونوا معهم في وحدة لبنان، كونهم عرباً فإنهم يستوعبون الحضارة الشرقية وينقلونها إلى أوروبا. وكونهم مسيحيين فإنهم ينقلون حضارة الغرب إلى الشرق” . فالإمام موسى الصدر قدم نفسه شمساً تضيء الدروب إلى الوطنية الحقة والتسامح ومبدأ التعايش الأخوي بين المسلم والمسيحي، والذي من خلاله يبني وطناً بكل ما للكلمة من معنى، وطناً تسوده العدالة والمساواة والتحابب والتآخي، وطناً تذوب فيه الفوارق الطائفية في المواطنية فيصبح الدين لله والوطن للجميع.
يقول الإمام: “رسالتنا في لبنان تتناقض مع رسالة الإسرائيليين، فرسالتهم عنصرية طائفية رافضة للتعايش ورسالتنا تعايش وإنفتاح وإنسانية” .
وكان الإمام الصدر في لبنان يثير لدى اللبنانيين علامات الدهشة لقدرته على صياغة الأفكار الجديدة الثائرة على الجمود والتقاليد، ونحن أشد ما نكون بحاجة اليوم في لبنان وسائر العالم للغة الإمام الصدر ومفهومه عن الثقافة التي تستوعب وتوحد لا تلك التي تفرّق. إن الأفكار النيّرة للإمام الصدر، وإن إنفتاحه على الأديان الأخرى، والتحاور معها، والتلاقي حول مفهومها الإنساني، لم تكن بعيدة وإنما تطابقت إلى حد بعيد مع أفكار وتطلعات الراحل قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في هذا المنحى، حيث يحدد قداسته هوية لبنان بهذه العبارات الشهيرة:
“لبنان أكثر من بلد إنه رسالة” ، وتطورت هذه الهوية الثقافية في الإرشاد الرسولي حيث يؤكد :”أن لبنان بلد طالما إتجهت إليه الأبصار، ولا يمكننا أن ننسى أنه مهد ثقافةٍ عميقةٍ وعريقةٍ، ولبنان أحد منارات البحر الأبيض المتوسط” . وإذ يدعو إلى التضامن في العالم العربي، يقول قداسة البابا في الإرشاد الرسولي :” قد يساعد الحوار والتعاون بين مسيحيي لبنان ومسلميه على تحقيق الخطوة ذاتها في بلدان أخرى. إن لبنان هو ضمير العالم العربي، مما يعني أن لبنان الرسالة يتجاوز مجرد التعايش بين الأديان ليبلغ ديناميكية أكبر وتعبيراً أوضح.”
وكذلك من باب الحرص والغيرة على التعايش على أرض هذا الوطن، يرى الإمام أن لبنان عنصر فعَال في أسس الحضارة الإنسانية، وهو عصارة أجيال عمرها آلاف السنين، لا نريد أن تهدم وتدمر تلك المنّة من الله على أيدينا فيقول الإمام موسى الصدر في حديث مع وفد نقابة المحررين: ” لبنان في هذه المرحلة بالذات من تاريخ العالم، أصبح ضرورة قصوى له، وإن الحوار الأوروبي – العربي، لولبه الحوار الإسلامي المسيحي. إن هذا العالم المترابط الذي يضم الأديان، والتعايش بين أبنائه من أجل استمرار الإنسان في بناء الدولة الواحدة الكونية مرتبط ومتأثر إلى حدٍ كبير بنجاح صيغة لبنان التعايشية. وإذا سقطت تجربة لبنان، سوف تظلم الحضارة الإنسانية لمدة خمسين عاماً على الأقل. أما التعايش اللبناني فهو أقدم من الميثاق الوطني ومن واضعي الميثاق الوطني ومن آبائهم وأجدادهم” . لهذا فإن الإمام الصدر نادى بالتعايش الذي يتكامل إلى وحدة حقيقية تبني وطناً مصاناً بتكاتف بنيه، على إختلاف مشاربهم وأهوائهم، لأنه وبمنظور الإمام الصدر، قد يفضي التعايش إلى الإنصهار الوطني، حيث تذوب الفوارق الطائفية بالدرجة الأولى بالمواطنية، ويصبح ملاذاً لجميع الذين تظللهم سماؤه. وللدلالة على ما أحدثه الإمام الصدر في المجتمع اللبناني عموماً والمسيحي خصوصاً أذكر هذه الحادثة التي حصلت بتاريخ 24/أيلول/1974، حيث “جرى إستقبال الإمام الصدر في بلدة عشقوت، البلدة الكسروانية المارونية، بقرع الأجراس. وناداه الشباب هاتفين: “لن نتخلى عنك يا إمامنا، يا قداسة الإمام، ما دمت تنادي في كل زاوية من زوايا هذا الوطن بالمساواة والوحدة والتضامن” .
