مفاهيم واثمان… النصر !
كتب الدكتور نسيب حطيط :
تنتهي الحروب والمعارك بطرف مهزوم وآخر منتصر وفي بعض الاحيان بإتفاق “هدنة” او صلح لعجز كلا الطرفين عن حسم الامور لصالحه والتغلب الواضح على عدوّه!
لا يمكن تحديد المنتصر او المهزوم اثناء المعركة وقبل انتهاء الحرب وبعض الحروب والمعارك تمتد لسنوات ينتصر ويتغلب فريق في مرحلة منها، ثم يستعيد المغلوب المبادرة ويتغلّب على خصمه ولكل طرف مفاهيمه وتقديره للأثمان التي دفعها لتحقيق النصر وتتغير مفاهيم النصر بين الاطراف المتقاتلة بناء على العقيدة او المصالح او المكتسبات وبين المعارك الدينية والمعارك الوضعية.
- وفق المفهوم الديني، فإن المعركة بين الخير والشر وبين الظالم والمظلوم وبين المؤمنين والكافرين.. معركه مستمرة منذ بدء الخليقة حتى نهايتها ولا يمكن توصيف المنتصر او المهزوم الا في نهاية الحرب والمعارك التي يخوضها المؤمنون هي حلقات متسلسلة عبر الزمان والمكان وبقياده الانبياء والرسل والصالحين ضمن المعركة الطويلة التي تنتهي وفق الوعد الالهي بالنصر للمؤمنين( ان الارض يرثها عبادي الصالحون) وهذا لا ينفي ان تؤثر نتائج المعارك الجزئية سواء بالنصر او الهزيمة على المسار الديني وانتصار الديني او هزيمته او تأخره في الانتشار وتغلّبه الفكري او حصاره.
- وفق المفهوم الوضعي البشري، فإن المعارك محدودة في الزمان والمكان والقيادة ويكون النصر فيها مؤقتا ويمكن ان يمتد لقرون ويمكن تمييز المنتصر والمهزوم بشكل واضح، لأنها تعتمد على التقييم المادي والخسائر البشرية والغنائم والسيطرة والاستعمار بالمصطلح الحديث، لكنها محكومة بالزوال حتى لو امتدت كأمبراطوريات لمئات او الاف السنين.
يتحدد مفهوم النصر والهزيمة وفق بعض النتائج ومنها : - الخسائر البشرية ليست معيارا مهمّاً في تحديد عوامل الانتصار لأنها وفق الوقائع جزء من الاثمان الأساسية التي يبذلها المنتصر لحيازة النصر ويدفعها المهزوم لمنع الهزيمة، لكن نتائج المعركة تحدد المنتصر وتحدد مستوى الثمن الذي دفعه لتحقيق النصر!
- تحقيق اهداف الطرف المبادر للحرب… يعتبر نصرا واضحاً وهزيمة لخصمه.
- افشال مشروع الطرف العدو والخصم ومهما كانت الأثمان البشرية والمادية… يعتبر إنتصاراً للمقاوم المدافع ويُعتبر الطرف الاخر مهزوما بعيدا عن عدد خسائره البشرية او المادية وفي مثال واضح على ذلك ومعاصر تعتبر المقاومة في لبنان مُنتصرة في العام 2000 لأنها افشلت المشروع الصهيوني باحتلال الجنوب واقامة الحزام الامن وتعتبر مُنتصرة في العام 2006 عندما استطاعت افشال الحرب الإسرائيلية على لبنان مع كل الاثمان البشرية والدمار والخسائر الأخرى.
في المعارك الدينية التي اوردها القران الكريم او رواها التاريخ، نرى ان أكثر الانبياء والرسل انهزموا في بداية دعوتهم وحُوصروا وتم تهجيرهم ايضا وبعضهم وصل(النبي إبراهيم-ع-) الى محاولة احراقه بالنار واخر الى الصلب(السيد المسيح-ع-) وآخرهم النبي محمد(ص) الى الحصار في شعاب مكة والهجرة الى المدينة والوصول الى مشارف القتل في معركة “أحد” لكنه استطاع النصر في النهاية ،كما انتصرت رسالات الانبياء والرسل الذين سبقوه .
وبالمفهوم الديني لا تعتبر الهزيمة ماديا اي القتل والسيطرة هزيمة دائمة وانما هزيمة بالمعطى المادي مؤقتا وانتصارا للقيم الدينية تاريخيا وهذا ما حصل في” كربلاء حيث استطاع الطرف المنحرف واالإنقلابي الاموي ان يقضي على الامة الإرسالية(القليلة العدد) بقيادة الامام الحسين(ع) واجتثّها وسبى نسائها ، فكانت هزيمة بالمعطى المادي العسكري.. لكنها كانت انتصارا للقيم والاخلاق والاصلاح والشاهد على انتصارها استراتيجيا ما تحركه هذه الثورة اليوم من حركات مقاومة وقيم ثورية تحرّرية .
لا يمكن قياس النصر والهزيمة في اي معركة الا ضمن المبادئ التي يعتقد بها المقاتلون والمتحاربون ،فربما يرى البعض هزيمه طرف متناقضا مع اعتقاد هذا الطرف بانتصاره والعكس ايضا .
من المبكر تحديد المنتصر والمهزوم في حرب غزة، لان المعركة لم تنته بعد وحتى لو سقطت غزه بالمعطى الجغرافي او السياسي… فلا يعني انها مهزومة مع كل الاثمان من الشهداء والجرحى والدمار والحصار والجوع ،فإنه وفق المفهوم الديني هي معركة من سلسله معارك ضد الكيان الصهيوني وستنتهي بالنصر للمظلومين وبالهزيمة للكيان الصهيوني وفق الوعد الالهي (ونريد ان نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين)… لكنهم المستضعفون المقاومون.. وليس المستضعفون الصامتون او المستسلمون او المحايدون…
