لبنان على الطاولة الخطأ… حين يُخطئ الوطن في موعد التفاوض/ بقلم: آية يوسف المسلماني
في تاريخ الأمم، لم تكن الحروب دائماً شراً مطلقاً، كما لم تكن المفاوضات دائماً طريقاً إلى السلام.
فالحرب في جوهرها صراع إرادات وموازين قوة، أما التفاوض فهو فن استثمار النتائج وصياغة الوقائع الجديدة بلغة السياسة. كثير من الدول انتصرت في الميدان وخسرت على الطاولة، وكثير منها تراجعت عسكرياً لكنها ربحت بحسن التفاوض وحكمة التوقيت.
فاللحظة التي يُفتح فيها باب التفاوض لا تقل أهمية عن مضمون التفاوض نفسه. لأن الجلوس إلى الطاولة في الوقت الخطأ، ومن موقع الضعف، قد يحوّل الحوار من فرصة إلى تنازل، ومن حل إلى عبء جديد.
ليست المشكلة في أن لبنان يفاوض، بل في أن التفاوض جاء في التوقيت الخطأ.
فالحرب مهما اختلفنا حولها، هي ميزان قوة. أما التفاوض فهو فن إدارة هذه القوة وترجمتها إلى مكاسب سياسية.
حين تدخل دولة ضعيفة إلى طاولة المفاوضات من دون عناصر ضغط حقيقية، فإنها لا تفاوض من موقع قوة، بل من موقع الحاجة والاضطرار.
لبنان اليوم بنظر خصومه دولة منهكة: مؤسساتها مفككة، اقتصادها متعب، قرارها الداخلي منقسم، وخبرتها التفاوضية محدودة قياساً بطبيعة الصراع وتعقيداته.
لذلك فإن الخشية ليست من مبدأ التفاوض بحد ذاته، بل من شروطه وسياقه وتوقيته.
ما يُراد للبنان على ما يبدو، هو أن يُترك وحيداً على الطاولة. فلا عمق عربي حاضر بفعالية، بسبب انشغال الدول العربية بأزماتها وتحولاتها الداخلية، ولا مظلة أوروبية متماسكة، مع محاولات واضحة لإبعاد الدور الفرنسي الذي لطالما شكّل نافذة توازن في ملفات لبنان الحساسة.
في الداخل اللبناني، لا يوجد إجماع وطني حول هذا المسار. بل إن شريحة واسعة ترى أن الحكومة تدخل مفاوضات بلا رؤية وطنية جامعة، وبلا تفويض شعبي واضح، وبلا أوراق قوة فعلية. لذلك ارتفعت أصوات الغضب، ووصل الأمر إلى وصف ما يجري بأنه “حكومة العار”، تعبيراً عن فقدان الثقة أكثر مما هو مجرد شعار سياسي.
لبنان لا يحتاج إلى رفض التفاوض ولا إلى تقديسه. يحتاج أولاً إلى بناء عناصر القوة: وحدة موقف داخلي، مؤسسات فاعلة، شبكة دعم عربية ودولية، وخطة واضحة لما يريد أن يحصّل وما يرفض أن يتنازل عنه.
فالتفاوض ليس بطولة بحد ذاته، كما أن الحرب ليست حلاً بحد ذاتها. بين الاثنين تقف الدولة الذكية، التي تعرف متى تقاتل، ومتى تفاوض، وكيف تنتصر في الحالتين.
