مع دخول اتفاق الهدنة حيّز التنفيذ عند منتصف الليل، لم يتعامل أهل الجنوب مع الخبر كبيان سياسي عابر، بل كنداءٍ داخلي لا يُقاوَم.
رغم مناشدات الثنائي الشيعي للتريّث، رغم التحذيرات، رغم أن الطرق لم تُختبر بعد، وأن الموت لم يبتعد كثيرًا… حملوا ما تبقّى من قلوبهم وعادوا.
عادوا إلى قرى نصفها ركام،
إلى بيوتٍ لم تعد تشبههم إلا في الذاكرة،
إلى أرضٍ ما زالت ترتجف من آثار القصف.
لم يسألوا: هل انتهى الخطر؟
لم ينتظروا: هل هناك ضمانات؟
لم يفاوضوا: هل الوقت مناسب؟
عادوا… لأنهم لا يعرفون كيف يكون الإنسان خارج أرضه.
في الجهة الأخرى، يرفض كثير من سكان الشمال العودة دون ضمانات كاملة.
ينتظرون الأمان أولًا، ثم يقررون.
يحسبون الخطر، يقيسون الاحتمالات، ويؤجّلون العودة حتى تصبح الحياة مضمونة.
وهنا، لا يعود المشهد مجرد مقارنة ظرفية…
بل يكشف حقيقة أعمق بكثير:
أن هناك من ينتمي إلى الأرض حتى في أقسى لحظاتها،
وهناك من ينتمي إليها بقدر ما تمنحه من أمان.
الجنوبي لا يعود لأنه لا يخاف،
بل لأنه لا يستطيع أن يعيش خائفًا بعيدًا عن أرضه.
هو لا يرى في الأرض مأوى… بل مرآةً لوجوده.
لا يرى في البيت جدرانًا… بل امتدادًا لروحه.
لذلك، حين تُفتح الطرق ولو جزئيًا،
لا يتقدّم بخطوةٍ حذرة… بل يندفع كمن يستعيد نفسه.
هذه ليست شجاعة عابرة،
وليست تهوّرًا كما قد يظن البعض،
بل علاقة لا يمكن تفكيكها بين الإنسان وأرضه.
في الجنوب، لا تُقاس الحياة بدرجة الأمان،
بل بدرجة الانتماء.
ولهذا، سيعودون دائمًا…
حتى لو عادوا إلى الركام،
حتى لو عادوا إلى الخطر،
حتى لو عادوا وحدهم.
لأن الأرض، ببساطة، لا تُترك.
