“مغدوشة تصلّي”\ د. جيهان الحايك
ظننتني مؤمنا يتقن الصلاة وقد قصدت مغدوشة في الشهر المريمي. هناك، في أرض القداسة، القداسة لوحة فرح، فيأخذك المكان الى أمكنة اخرى لا تشبه الا رحاب السماء.
فتيات بجمال العفّة يستقبلنك ويرشدنك في حجك وكأنهن مضيفات في عرس كبير.
كهنة يتلون مسبحة من القداديس علّها تروي جيشا من السيّاح قد أتوا من كل صوب.
مسرحيات دينية، ندوات صغيرة، رقصات شعبية عفوية تشعرك كلها انها كنائس متنقلة تزور عمق نفسك فتفرحها.
الاطفال قد ركنوا طيشهم وارتدوا أثواب الملائكة وشكلوا جوقات موزعة على الطرقات، فما تكاد تغادر لحنا حتى يستقبلك لحن آخر.
الشباب شرطة خفيّة، يحرسون كمال الحدَث ويسدّون اي كلل او ثغرة.
القرى المجاورة تشارك بكل ما أوتيت من محبة وكأنها ” أم العروس”، لم لا، فالكل مدعوّ الى مائدة الحمل. جذبهم الفرح وأسرهم الايمان.
في خضم كل هذا، الام البتول تغمض عينيها وفي عمق صلاتها تلمس كل ما يحدث فتفضي على قداسة الحدث قداسة.
أكملت صعودا نحو البلدة والاحياء القديمة حيث افترشت النسوة ما حاكته احلامهن في ليالي الشتاء “منتجات بلدية”، وقد طرّزن الزوايا ب”صمدات” صغيرة بخورها يعانق البيوت فتخشع.
وأخيرا، صادفت رجلا هرما يتكئ على ذكرياته وكأن الموت قد غضّ عنه وتركه كشاهد للزمن. حيّيته وسألته مَن هو هذا العظيم الذي خطّط ونظّم كل هذا؟ أجابني ان النعمة يزرعها الرب ، فبكل بساطة الآباء قد آمنوا ان لا إرث أعظم من الايمان، الايمان بالله والرسالة والارض، والابناء قد اقتنعوا ان لا شيء يَقوى على المحبة فتوارثوا المهمات من جيل الى جيل حتى أصبحت الامور بديهية.
سبقني حماسي وتمنيت للبلدة دوام الاحتفالات، فأجابني بسخرية الوقار: “نحن لانحتفل، نحن نصلي، فمَن استقبلك بضحكة قد صلى، ومَن نقل اليك جزءا من فرحه قد صلى، ومَن رفض اليأس وزرع بإيمان البقاء قد صلى،
نحن يابني لا نحتفل ، انها مغدوشة، مغدوشة تصلي.
- الصورة بعدسة : ديالا الحايك
