لبنان ساحة لتعويض النفوذ\ بقلم العميد (م) حسين الشيخ علي
إنطلقت الحرب على غزة في السابع من تشرين أول 2023 بعد عملية طوفان الأقصى، ويظهر من خلال الأحداث العسكرية والسياسية أن هناك توافق وتصميم بين إسرئيل والولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية، على إنهاء التواجد العسكري للمقاومة الفلسطينية بفصائلها كافة في قطاع غزة، من خلال الدعم العسكري والمادي الذي تقدمه لإسرائيل، والتي تمثل دور المقاول الذي ينفذ مشاريع الغرب في منطقة الشرق الأوسط.
يعمل الحلف الإسرائيلي الغربي على القضاء على المقاومة الفلسطينية في غزة، على أساس أنها تمثل أحد أذرع إيران في المنطقة، فهي أضعف نقطة في محور المقاومة كونها مطوقة عسكرياً وصغيرة جغرافياً، ولا بد من التغلب عليها مهما طال زمن حصارها، طالما أن دول المحور لم تنجح في فك الطوق عنها ولم تنصرها الدول العربية نظراً لمواقفها السياسية من التمدد الإيراني في المنطقة العربية.
تجري المفاوضات الإيرانية الأميركية عبر دول عديدة تقوم بالوساطة بين الطرفين ومنها عُمان، فالولايات المتحدة الأميركية لم تنس أن إيران الخميني أخذت منها عنوة دولة كبيرة كانت تحت سيطرتها (1979)، وكانت تقف من خلالها ومن خلال انضمامها الى حلف بغداد (1955) في وجه المد الشيوعي الذي كان يقوم به الإتحاد السوفياتي السابق. فعوّضت الولايات المتحدة عن ذلك بالمزيد من الإتفاقات مع دول الخليج العربي من خلال إقامة القواعد العسكرية فيها، وإنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربي (1981).
بعد إنحلال الإتحاد السوفياتي عام (1991) في عهد غورباشوف، إنتهى الصراع على السيطرة على منطقة غرب آسيا وخاصة دول الخليج العربي التي تمتلك ثروات هائلة من النفط والغاز الذي يشكل مصدراً حيوياً للصناعات الغربية. إستقر الوضع في ايران بعد الإنتهاء من الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، عملت ايران على بناء قوتها العسكرية وعلى تصدير الثورة الى المنطقة العربية على أساس التخلص من الأنظمة التي ترعاها الولايات المتحدة الأميركية التي تمثل الشيطان الأكبر في نظرها. بعد تعثر السياسة الإيرانية وإصطدامها بالرفض العربي للمشروع الإيراني لا بل العداء له، تحولت إيران الى رفع شعار نصرة القضية الفلسطينية والعمل على زوال الكيان الإسرائيلي هدفاً رئيسياً لسياستها الخارجية، كمدخل الى قبولها في العالم العربي.
أخذت ايران تعمل على تقوية المنظمات الموالية لها في بعض الدول العربية في لبنان وفلسطين وسوريا والعراق واليمن، لزيادة نفوذها العسكري والإيديولوجي وتشكيل تهديد مباشر لإسرائيل، ولإستعمالها أيضاً كأوراق ضغط في المفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية، من أجل السيطرة على مناطق ذات بعد استراتيجي في المنطقة وخاصة الممرات البحرية ومنابع النفط.
فقدت المقاومة الفلسطينة في غزة الكثير من قدراتها العسكرية في هذه الحرب التي سوف تكمل شهرها الثامن، نسبةً الى التفوق في ميزان القوى لصالح إسرائيل. مع العلم أن ما تنزله المقاومة من خسائر في جيش العدو ليس بالقليل، ولكن هذا لا يؤدي الى الانتصار عليه في النهاية، نظراً لفقدانها القدرات الهجومية التي تحسم المعركة والتي هي مفتاح النصر. إنتقلب الموقف في غزة من تشكيله ورقة ضغط في يد إيران الى ورقة ضغط بيد أميركا وإسرائيل عليها، وخسرت إيران هذه القوى والمنطقة من النفوذ، والتي دعمتها بمليارات الدولارات لبناء قدراتها العسكرية، وإيران كانت تعرف سلفاً أن القوى المحاصرة يمكنها الصمود ومشاغلة نسبة كبيرة من قوات العدو لحين قدوم الدعم الخارجي لنصرتها والإلتقاء بها بعد هزيمة القوات التي تحاصرها.
حتما ستقوم إيران بالتفتيش عن تعويض ما خسرته في غزة من نفوذ، وهي سوف تحاول الإمساك بمناطق جديدة أو زيادة نفوذها في المناطق التي يتواجد أذرع عسكرية لها في المنطقة، فهي حاولت تحريك الشعوب في الدول العربية وخاصة في الأردن عبر حثهم على القيام بمظاهرات للضغط على الأنظمة وعبر محاولات تهريب السلاح ولكن ذلك لم ينجح، فهذه الأنظمة تريد المحافظة على نفسها وتجنيب بلدها ويلات الحرب من جهة، ولإرتباطها بمعاهدات سلام مع إسرائيل من جهة ثانية، وللعامل الديني والسياسي من جهة ثالثة.
لم يبق أمام محور المقاومة سوى الساحة اللبنانية لزيادة النفوذ فيها، أولاً: نظراً لضعف الدولة وعدم قدرتها على الإمساك بزمام الأمور الأمنية في لبنان، وثانياً: لأن الساحة اللبنانية مهمة لأميركا من خلال تواجد لبنان الجغرافي في غرب آسيا وعلى الشواطىء الشرقية للبحر المتوسط، والذي يشكل مدخلاً الى عمق آسيا وخاصة الى الدول العربية، وثالثاً: نظراً لتفوق قوى المقاومة فيه على القوى المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية، وإمكانية تحقيق الغلبة عليها.
من هنا فالسبيل الى ذلك هو تعزيز الفصائل والقوى المنخرطة في هذا المحور بالسلاح ومساعدتها على التنظيم والتدريب والظهور المسلح وإظهار القوة كما حصل في عدة مناسبات بالأمس القريب، منعاً لتشكل قوى مناوئة للمقاومة تدور في فلك الولايات المتحدة الأميركية، ومحاولة تكرار ما حدث في غزة. ولتقليص النفوذ الأميركي في لبنان من خلال عدم قدرته على إيجاد من ينفذ سياسته المناوئه للمقاومة، ومن خلال إفساح المجال للعمل للأحزاب الأخرى اللبنانية وغير اللبنانية على الساحة، مما ينفي حصرية السلاح بيد فريق معين، وتصبح بالتالي عملية تطويقه متعذرة.
قهل يدفع لبنان ثمن سياسية لي الأذرع التي تلعبها الولايات المتحدة الأميركية وإيران، هروباً من المواجهة الكبرى؟ على حساب إطالة عمر الفوضى وعدم انتظام الدولة وبقاء المواجهة مفتوحة في الجنوب، بانتظار التوافق الدولي الذي يبدو بعيداً تنتظره محطات كثيرة سياسية وعسكرية دولية، تقوم الدول المعنية بترتيب اجندتها السياسية الداخلية والخارجية من أجل العمل على تحقيق مصالحها البعيدة كل البعد عن مصالح الدول والشعوب العربية.
