مبادرة بايدن في موازين القوى المتصارعة\ العميد (م) حسين الشيخ علي
طرح رئيس الولايات المتحدة الأميركية بايدن بتاريخ 1/5/2024 مبادرة تبنى فيها خطة إسرائيلية لوقف الحرب في غزة التي بدأت شهرها التاسع، وتضمنت ثلاثة مراحل هي:
المرحلة الأولى: تمتد لستة اسابيع وتتضمن وقفاً كاملاً لإطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من جميع المناطق المأهولة بالسكان في غزة، وإطلاق عدداً من الرهائن من الأميركيين والنساء والمسنون والجرحى وإعادة رفات رهائن قتلوا الى عائلاتهم. كما تسمح بعودة الفلسطينيين الى بيوتهم في جميع أنحاء غزة، وإدخال 600 شاحنة مساعدات الى القطاع يومياً، وسيتم التفاوض خلالها على إجرءات المرحلة الثانية.
المرحلة الثانية: تتضمن خارطة طريق لإنهاء الأعمال العدائية، وتبادل وإطلاق سراح جميع الرهائن المتبقين حتى الجنود الذكور منهم، كما تشمل إنسحاب القوات الإسرائيلية من غزة.
المرحلة الثالثة: تتضمن خطة إعادة إعمار كبرى لغزة، وإعادة ما تبقى من رفات الرهائن الذين قتلوا الى عائلاتهم.
في حال تم التوافق على تنفيذ الخطة يكون لكل طرف فيها مصلحة من زاوية تُقارب وضعه المرتبط بواقع الميدان وما أرست المعركة من نتائج ووقائع، وهي تتمثل بما يلي:
مصلحة أميركا والدول الغربية
التخفيف من التبدل الحاصل في الرأي العام الغربي وخاصة عند طلاب الجامعات.
إعادة إنتظام وسلامة حركة التجارة في باب المندب والبحر الأحمر.
التخفيف من حشد الأساطيل الحربية الغربية في البحر الأحمر.
تسجيل نقطة إيجابية للرئيس بايدن في حملته الإنتخابية.
الضغط على ما تبقى من الدول العربية لإسعجال التطبيع مع إسرائيل.
مصلحة إسرائيل
وقف القتال في غزة وتحرير القسم الأكبر من قواتها لإعادة النتظيم والتدريب والحشد على الجبهة الشمالية.
تحرير الرهائن يحقق أحد أهداف الحكومة الإسرائيلية ويخفف الضغط الداخلي عنها.
التخفيف من الضغط الدولي والعزلة ومن الملاحقة من قبل محكمتي العدل والجزائية الدوليتين.
الحصول على فرصة لإمكانية التطبيع مع دول عربية أخرى.
تعافي الإقتصاد وعودة النازحين الى مستوطنات الشمال وغلاف غزة.
مصلحة محور المقاومة
أخذ الفرصة لإعادة تنظيم المقاومة في غزة.
إعادة النازحين الى مناطقهم في غزة وجنوب لبنان.
الحصول على المساعدات لتأمين الحياة من طعام ومياه.
البدء بعملية إعمار ما دمرته الحرب من بنى تحتية ومنازل في غزة وجنوب لبنان.
نقاط ضعف المبادرة بالنسبة لحماس
تعتبر نقاط الضعف في الخطة هي ذاتها نقاط قوة بالنسبة الى الجانب الإسرائيلي، وهي نقاط ذات طبيعة تكتية لبقاء الضغط على المقاومة في غزة، وذات طبيعة استراتيجية بالنسبة للموقف من القضية الفلسطينية ومن محور المقاومة وتتمثل بالتالي:
- حمّل الرئيس بايدن في خطابه مسؤولية أي عرقلة في تنفيذ الخطة الى المقاومة الفلسطينية سلفاً.
- بقاء القوات الإسرائيلية في المناطق غير المأهولة في المرحلة الأولى لمدة ستة أسابيع (وقفاً كاملاً لإطلاق النار)، يحول القطاع الى جزر معزولة عن بعضها البعض ويجعل من حركة التنقل البشرية واللوجستية بينها أمراً مراقباً من قبل الحواجز الإسرائيلية، ويسهل عليها معاودة القتال فوراً عند تعثر تطبيق المرحلة الثانية للخطة.
- إن الإنسحاب من المناطق المأهولة هو إجراء صوري أكثر منه عملي لأن القوات الإسرائيلية لا تتواجد في الأماكن المأهولة، بل هي تعمد الى تطويقها وتنفيذ عمليات نوعية بداخلها ثم الإنسحاب منها.
- إن عبارة إنهاء الأعمال العدائية الواردة في المرحلة الثانية، تشمل إنهاء جميع أشكال الأنشطة العسكرية والعدائية (الحصار، قطع الكهرباء والمياه، الإعتقالات…) بين الأطراف المتصارعة وتكون دائمة وبشكل نهائي، على عكس وقف إطلاق النار الذي يكون مؤقتاً. وهذا ما يتناقض مع مقترح حل الدولتين للتوصل الى إتفاق سلام شامل بين الطرفين، ويسلب الشعب الفلسطيني من حقه في المقاومة.
- عدم تحديد مهلة لإنجاز إجرءات المرحلة الثانية ولإنسحاب القوات الإسرائيلية من غزة، يعطي حرية المناورة للعدو ويؤخر عملية إعادة إعمار غزة ويبقي الشعب الفلسطيني يعاني من مآسيه.
- ستعيد هذه الخطة الوضع الى ما كان عليه بالنسبة لحصار غزة قبل عملية طوفان الأقصى كونها لم تأتي على ذكر وضع المعابر البرية وكيفية التنقل عبرها.
- تُبقي هذه الخطة الوضع مبهم لناحية الجهة التي ستتولى السلطة في غزة بعد الإنسحاب منها، وهذا من الممكن أن يكون موضع خلاف في المرحلة الثانية. خاصة وأن التصريحات الأميركية والإسرائيلية تُعلن بعدم قبول أن تكون حماس في السلطة في غزة بعد إنتهاء الحرب.
- لا تتضمن الخطة إطلاق جميع المعتقلين الفلسطينيين ضمن الإتفاق وخاصة الذين تم إعتقالهم خلال الحرب.
إن الولايات المتحدة الأميركية من خلال مواقفها الدائمة الى جانب إسرائيل، وإغداق المساعدات العسكرية عليها والدعم المباشر من خلال اسطولها البحري لحمايتها، وممارستها حق الفيتو في مجلس الأمن في القرارات التي تشكل ضغطاً عليها، ومدِّها بالمساعدات المالية. يجعلها طرفاً منحازاً الى مصلحة العدو الإسرائيلي من خلال ما تقوم به، وهذا يجعل من كفة ميزان الحلول التي تطرحها راجحةً لصالح إسرائيل، وذلك لما تمثله من تأمين المصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط من جهة، واستجابةً لضغط اللوبي اليهودي الذي يمتلك المؤسسات الإقتصادية والمالية والإعلامية الكبيرة والمؤثرة في السياسة الأميركية.
