“مفاجأة” السنوار عن الأسرى… ورسالة لقادة “حماس”: لا تقدّموا تنازلات
أرسل القائد العسكري لحركة “حماس” في غزة يحيى السنوار رسائل عدّة إلى الوسطاء، معتبراً أن المزيد من القتال في غزة والمزيد من الوفيّات بين المدنييّن الفلسطينيين تعمل لمصلحته، حسبما كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال”.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
وقال السنوار في رسالة حديثة إلى مسؤولي “حماس” الذين يسعون للتوسّط في اتّفاق مع المسؤولين القطريين والمصريين: “لدينا الإسرائيليون حيث نريدهم”.
ووفق الصحيفة، “أظهر السنوار استخفافاً بارداً بالحياة البشرية وأوضح أنّه يعتقد أن إسرائيل لديها الكثير لتخسره من الحرب من حماس. طوال حياة السنوار السياسية، التي شكّلها الصراع الدموي مع دولة إسرائيلية، والتي يقول إنه ليس لها الحق في الوجود، تمسّك بقواعد لعب بسيطة. وهو محصور في الزاوية، ويتطلّع إلى العنف بحثاً عن مخرج. والمعركة الحالية في غزة ليست استثناءً”.
أدى القتال بين القوّات الإسرائيلية ووحدات “حماس” في جنوب قطاع غزة إلى تعطيل شحنات المساعدات الإنسانية، وتسبّب في تزايد الخسائر في صفوف المدنيين، وتكثيف الانتقادات الدولية لجهود إسرائيل للقضاء على الجماعة الإسلامية المتطرفة.
وفي إحدى الرسائل الموجّهة إلى قادة “حماس” في الدوحة، والتي استعرضتها الصحيفة الأميركية من بين عشرات الرسائل إلى مفاوضي وقف إطلاق النار وإلى مؤيدي “حماس” خارج غزة وآخرين، أشار السنوار إلى “الخسائر المدنيّة في صراعات التحرير الوطني في أماكن مثل الجزائر، حيث مات مئات الآلاف من الأشخاص وهم يقاتلون من أجل الاستقلال عن فرنسا، قائلاً: “هذه تضحيات ضرورية”.
في رسالة بتاريخ 11 نيسان (أبريل) إلى زعيم “حماس” السياسي إسماعيل هنية بعد مقتل ثلاثة من أبناء هنية البالغين في غارة جوية إسرائيلية، كتب السنوار أن موتهم ومقتل الفلسطينيين الآخرين “سيبثّ الحياة في عروق هذه الأمة، ويدفعها إلى الارتقاء إلى مستوى أعلى. مجدها وشرفها”.
بحسب الصحيفة، “السنوار ليس الزعيم الفلسطيني الأول الذي يتبنّى إراقة الدماء كوسيلة للضغط على إسرائيل. لكن حجم الأضرار الجانبية في هذه الحرب – مقتل المدنيين والدمار الذي أحدثته – لم يسبق له مثيل بين الإسرائيليين والفلسطينيين”.
أضافت: “على الرغم من الجهود الشرسة التي بذلتها إسرائيل لقتله، فقد نجا السنوار وأدار جهود حماس الحربية بشكل دقيق، وقام بصياغة الرسائل وإرسال رسائل إلى مفاوضي وقف إطلاق النار وتحديد متى تكثّف الجماعة المصنّفة إرهابية من قبل الولايات المتحدة هجماتها أو تتراجع عنها”.
ووفق الصحيفة الأميركية أيضاً، “يبدو أن هدف السنوار النهائي يتلخّص في التوصّل إلى وقف دائم لإطلاق النار يسمح لحماس بإعلان نصر تاريخي بالصمود أمام إسرائيل والمطالبة بقيادة القضية الوطنية الفلسطينية”.
ويحاول الرئيس الأميركي جو بايدن إجبار إسرائيل و”حماس” على وقف الحرب لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعارض إنهاء القتال بشكل دائم قبل ما يسميه “النصر الكامل” على “حماس”.
وحتّى بدون هدنة دائمة، يعتقد السنوار أن نتنياهو ليس لديه سوى خيارات قليلة بخلاف احتلال غزة والتورّط في قتال التمرّد الذي تقوده “حماس” لأشهر عدّة أو سنوات”.
“النصر أسوأ من الهزيمة”
وقال السنوار لصحافي إيطالي يكتب في عام 2018 في صحيفة “يديعوت أحرونوت” اليومية الإسرائيلية: “بالنسبة لنتنياهو، فإن النصر سيكون أسوأ من الهزيمة”.
كان السنوار، وهو الآن في أوائل الستينيات من عمره، يبلغ من العمر خمس سنوات تقريبًا عندما جلبت له حرب عام 1967 أول تجربة عنف كبيرة بين الإسرائيليين والعرب. وأعادت تلك المعركة القصيرة ترتيب الشرق الأوسط. وسيطرت إسرائيل على مرتفعات الجولان من سوريا والضفة الغربية من الأردن. واستولت على شبه جزيرة سيناء من مصر، وكذلك قطاع غزة، حيث نشأ السنوار في مخيّم للاجئين تديره الأمم المتحدة.
نشر السنوار رواية عام 2004 أثناء وجوده في السجن الإسرائيلي، وكتب في مقدّمتها أنّها مستوحاة من تجاربه الخاصة. وفي الكتاب، يحفر أب حفرة عميقة في ساحة مخيّم اللاجئين خلال حرب 1967، ويغطّيها بالخشب والمعدن ليصنع منها ملجأ.
طفل صغير ينتظر في الحفرة مع عائلته، يبكي ويسمع أصوات الانفجارات تتزايد مع اقتراب الجيش الإسرائيلي. يحاول الصبي التسلّق، لتصرخ أمّه: “إنها الحرب هناك! ألا تعرف ماذا تعني الحرب؟”.
انضم السنوار إلى الحركة التي أصبحت في النهاية “حماس” في الثمانينيات، وأصبح قريباً من مؤسسها الشيخ أحمد ياسين، وأنشأ شرطة أمن داخلي قامت بمطاردة وقتل المخبرين المشتبه بهم، وفقاً لنص اعترافاته للمحققين الإسرائيليين في عام 1988.
وتلقى أحكاماً عدّة بالسجن مدى الحياة بتهمة القتل وقضى 22 عاماً في السجن قبل إطلاق سراحه في صفقة تبادل مع ألف فلسطيني آخرين في عام 2011 بالجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط.
خلال المفاوضات بين إسرائيل و”حماس” بشأن تبادل شاليط، كان للسنوار تأثير في الضغط من أجل حرية الفلسطينيين الذين سجنوا بتهمة قتل إسرائيليين.
لقد أراد إطلاق سراح حتى أولئك الذين شاركوا في التفجيرات التي أودت بحياة أعداد كبيرة من الإسرائيليين، وكان متطرّفاً جدّاً في مطالبه لدرجة أن إسرائيل وضعته في الحبس الانفرادي حتى لا يعرقل التقدّم، وفق ما كشفت الصحيفة.
وعندما أصبح زعيماً لحركة “حماس” في غزة عام 2017، كان العنف أمراً ثابتاً في ذخيرته الفنية. وكانت “حماس” قد انتزعت السيطرة على غزة من السلطة الفلسطينية في صراع دموي قبل عقد من الزمن، وبينما تحرك السنوار في وقت مبكر من ولايته للمصالحة بين “حماس” والفصائل الفلسطينية الأخرى، فقد حذر من أنّه سوف “يكسر عنق” أي شخص يقف في السلطة.
وفي عام 2018، دعم السنوار الاحتجاجات الأسبوعية عند السياج بين غزة والأراضي الإسرائيلية. وخوفاً من حدوث اختراق في الجدار، أطلق الجيش الإسرائيلي النار على الفلسطينيين والمحرضين الذين اقتربوا أكثر من اللازم. وكان كل ذلك جزءاً من الخطّة.
وقال السنوار في المقابلة التي أجراها في ذلك الوقت مع صحافي إيطالي: “نحن نتصدر العناوين فقط بالدم”.
وفي عام 2021، بدا أن محادثات المصالحة بين “حماس” والفصائل الفلسطينية تتقدّم نحو إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية للسلطة الفلسطينية، وهي الأولى منذ 15 عاماً. ولكن في اللحظة الأخيرة، ألغى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الانتخابات. ومع إغلاق المسار السياسي، تحوّل السنوار بعد أيام إلى إراقة الدماء لتغيير الوضع الراهن، حيث أطلق صواريخ على القدس وسط توتّرات بين الإسرائيليين والفلسطينيين في المدينة. وأدى الصراع الذي أعقب ذلك والذي استمر 11 يوماً إلى مقتل 242 فلسطينياً و12 شخصاً في إسرائيل.
تسبّبت الغارات الجوية الإسرائيلية في أضرار كبيرة لدرجة أن المسؤولين الإسرائيليين اعتقدوا أنه سيتم ردع السنوار عن مهاجمة الإسرائيليين مرة أخرى.
عن “طوفان الأقصى”
قال مسؤولون عرب وآخرون من “حماس” مطّلعون على تفكير السنوار إن أحد الأهداف كان إنهاء الشلل في حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وإحياء أهميته الدبلوماسية العالمية.
واستمر احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية لأكثر من نصف قرن، وكان شركاء نتنياهو في الائتلاف اليميني المتطرّف يتحدّثون عن ضم الأراضي في الضفّة الغربية التي يريدها الفلسطينيون لإقامة دولتهم المستقبلية. وكانت المملكة العربية السعودية، التي كانت ذات يوم مناصرة للقضية الفلسطينية، تجري محادثات لتطبيع العلاقات مع إسرائيل.
على الرغم من أن السنوار خطّط لهجمات 7 تشرين الأول (الأول) وأعطى الضوء الأخضر لها، إلا أن الرسائل المبكرة لمفاوضي وقف إطلاق النار تظهر أنّه بدا متفاجئاً من وحشية الجناح المسلّح لـ”حماس” والفلسطينيين الآخرين، ومدى سهولة ارتكابهم لفظائع مدنيّة.
وقال السنوار في إحدى رسائله: “لقد خرجت الأمور عن السيطرة”، في إشارة إلى العصابات التي تأخذ النساء والأطفال المدنيين كاسرى. “لقد وقع الناس في هذا الأمر، وما كان ينبغي أن يحدث ذلك”، وفق الصحيفة أيضاً.
في وقت مبكر من الحرب، ركّز السنوار على استخدام الأسرى كورقة مساومة لتأخير العملية البرية الإسرائيلية في غزة. وبعد يوم من دخول الجنود الإسرائيليين إلى القطاع، قال السنوار إن حماس مستعدّة للتوصل إلى اتّفاق فوري لتبادل الأسرى لديها مقابل إطلاق سراح جميع السجناء الفلسطينيين المحتجزين في إسرائيل.
لكن السنوار أخطأ في قراءة رد فعل إسرائيل. وأعلن نتنياهو أن إسرائيل ستدمّر “حماس”، وقال إن الطريقة الوحيدة لإجبار الجماعة على إطلاق سراح الاسرى هي من خلال الضغط العسكري.
ويبدو أن السنوار أساء أيضاً تفسير الدعم الذي كانت إيران و”حزب الله” على استعداد لتقديمه. فعندما سافر هنية ونائبه صالح العاروري إلى طهران في تشرين الثاني (نوفمبر) لعقد اجتماع مع المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، قيل لهما إن طهران تدعم “حماس” لكنّها لن تدخل في الصراع.
قال المعلّق الإسرائيلي الذي يعرف السنوار منذ أيامه في السجن إيهود ياري: “لقد تم تضليله جزئياً منهم، وتضليل نفسه جزئياً. لقد كان محبطًا للغاية”.
“نأي عن السنوار”
في سردها، ذكرت “وول ستريت” أن مسؤولين عرب تحدّثوا إلى “حماس” وقالوا إنّه بحلول تشرين الثاني (نوفمبر)، بدأت القيادة السياسية للحركة تنأى بنفسها عن السنوار سرّاً، مشيرة إلى أنّه شن هجمات 7 تشرين الأول (أكتوبر) بدون إخبارهم.
وفي نهاية تشرين الثاني، اتّفقت إسرائيل و”حماس” على وقف إطلاق النار وإطلاق سراح بعض الأسرى لكن الصفقة انهارت بعد أسبوع.
وبينما قام الجيش الإسرائيلي بسرعة بتفكيك الهياكل العسكرية لـ”حماس”، بدأت القيادة السياسية للجماعة في الاجتماع مع الفصائل الفلسطينية الأخرى في أوائل كانون الأول (ديسمبر) لمناقشة المصالحة وخطّة ما بعد الحرب. ولم تتم استشارة السنوار.
وانتقد السنوار في رسالة بعث بها إلى القادة السياسيين النهاية ووصفها بأنّها “مخزية وشائنة”.
وأضاف: “طالما أن المقاتلين ما زالوا صامدين ولم نخسر الحرب، فيجب إنهاء هذه الاتصالات على الفور. لدينا القدرة على مواصلة القتال لأشهر”.
وفي الثاني من كانون الثاني، قُتل العاروري في غارة إسرائيلية مشتبه بها في بيروت، وبدأ السنوار في تغيير طريقة تواصله، حسبما قال مسؤولون عرب. وقالوا إنه استخدم أسماء مستعارة ونقل الملاحظات فقط من خلال عدد قليل من المساعدين الموثوقين وعبر الرموز، وقام بالتبديل بين الرسائل الصوتية والرسائل المنطوقة إلى الوسطاء والرسائل المكتوبة.
وبحلول نهاية ذلك الشهر، تباطأ التقدم العسكري الإسرائيلي وتحوّل إلى معركة شرسة في مدينة خان يونس، مسقط رأس السنوار. بدأت إسرائيل تفقد المزيد من القوّات. وفي 23 كانون الثاني، قُتل نحو 24 جندياً إسرائيلياً في وسط وجنوب قطاع غزة، وهو اليوم الأكثر دموية بالنسبة للجيش خلال الغزو.
وسارع الوسطاء العرب إلى تسريع المحادثات بشأن وقف إطلاق النار، وفي 19 شباط (فبراير) حدّدت إسرائيل موعداً نهائياً بحلول شهر رمضان – بعد شهر واحد – لـ”حماس” لإعادة الأسرى أو مواجهة هجوم بري في رفح، وهو ما وصفه المسؤولون الإسرائيليون بأنّه “الهجوم البرّي”. المعقل الأخير للجماعة المسلحة.
وحثّ السنوار في رسالة رفاقه في القيادة السياسية لـ”حماس” خارج غزة على عدم تقديم تنازلات والضغط بدلاً من ذلك من أجل إنهاء دائم للحرب.
ورأى السنوار أن ارتفاع عدد الضحايا المدنيين سيخلق ضغوطاً عالمية على إسرائيل. وجاء في رسائل السنوار أن الجناح المسلح للحركة كان جاهزاً للهجوم.
وقال السنوار لقادة “حماس” في الدوحة في رسالة: “رحلة إسرائيل في رفح لن تكون نزهة في الحديقة”.
وانفجرت الخلافات بين قادة إسرائيل في زمن الحرب إلى العلن، مع فشل نتنياهو في صياغة خطّة حكم ما بعد الحرب في غزة، وحذّر وزير دفاعه، يوآف غالانت، سرّاً من إعادة احتلال القطاع. وتزايدت مخاوف الإسرائيليين من خسارة البلاد للحرب.
